في بلدٍ تُستباح فيه المؤسسات واحدةً تلو الأخرى، لم يعد مستغرباً أن يتحوّل الضابط الذي يطبّق القانون إلى هدفٍ سياسي، ولا أن يصبح الالتزام بالدولة تهمة تستوجب الحملات والتشهير.
هكذا تحديداً يمكن قراءة الحملة المنظّمة التي يقودها حزب الله، عبر منصاته الإعلامية وبعض أبواقه المحلية، ضد رئيس فرع معلومات بيروت الرائد رامي شقير.
هذه الحملة ليست تفصيلاً عابراً، ولا مجرّد اختلاف في وجهات النظر. إنها رسالة واضحة وصريحة: كل ضابط يعمل خارج مظلة النفوذ الحزبي هو مشروع استهداف، وكل مؤسسة تحاول أن تبقى ضمن إطار الدولة هي مؤسسة يجب إخضاعها أو تشويهها أو تطويعها.
جهاز المعلومات، الذي شكّل خلال السنوات الماضية أحد آخر الأعمدة الأمنية التي ما زالت تعمل بمنطق الدولة لا بمنطق المحاور، يُدفع اليوم عمداً إلى زاوية الاشتباك السياسي المفتوح. واستهداف رئيس فرع معلومات بيروت تحديداً ليس بريئاً، لأن بيروت نفسها لم تعد مجرد عاصمة، بل تحوّلت إلى ساحة اختبار حقيقية: من يملك القرار الأمني فيها؟ الدولة أم الدويلة؟
الرائد رامي شقير، وفق كل من واكب عمله عن قرب، راكم سجلاً مهنياً نظيفاً لا تشوبه شبهة، والتزم بواجباته تحت سقف القانون لا تحت سقف التسويات. وهذه تحديداً هي “مشكلته” في لبنان اليوم. ففي زمن اختلاط الدولة بالمحاور، يصبح الضابط النظيف خطراً، والضابط الملتزم عبئاً، إذا لم يخضع لمنطق النفوذ الموازي.
الأخطر أن الحملة لا تستهدف شخصاً فقط، بل تضرب ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بالمؤسسات الأمنية. فعندما يُسمح بتشويه صورة ضابط لأنه لم ينحنِ، تصبح الرسالة واضحة لكل ضابط آخر داخل المؤسسة: إمّا أن تسير وفق الخط المرسوم، أو تُستهدف.
ما يجري ليس سجالاً إعلامياً عابراً، بل محاولة ضغط مكشوفة لإعادة رسم حدود المسموح والممنوع داخل المؤسسات الأمنية. وهو تطوّر بالغ الخطورة يعكس إصراراً واضحاً على تحويل الدولة إلى هيكل فارغ، وإبقاء القرار الحقيقي خارجها.
الدفاع عن ضابط يلتزم القانون اليوم لم يعد موقفاً شخصياً ولا تضامناً وظيفياً، بل معركة دفاع عن فكرة الدولة نفسها. لأن سقوط الضباط المهنيين واحداً تلو الآخر يعني ببساطة سقوط آخر خطوط الفصل بين الدولة والفوضى.
وإذا استمر الصمت الرسمي أمام هذا النوع من الحملات، فلن يعود السؤال: لماذا يُستهدف الرائد رامي شقير؟
بل سيصبح السؤال الأخطر: من التالي على لائحة الاستهداف؟ ومن بقي أصلاً داخل المؤسسات ليحمي ما تبقّى من الدولة؟













