
لا يمرُّ السابع من أيار بكونه ذكرى عابرة في وجدان بيروت، بل كجرح مفتوح يرفض أن يندمل.
هذا اليوم ليس رقماً في الروزنامة، بل عنوان لمرحلةٍ سوداء تجرّأت فيها قوى الأمر الواقع على المدينة وأهلها، فاستُبيحت الشوارع، وكُسرت هيبة الدولة، ودفع اللبنانيون ثمن مشروع لا يشبههم.
ما جرى في ذلك اليوم لم يكن حادثاً عابراً، بل كان إعلاناً صريحاً بأن ميزان القوى في لبنان لم يعد بيد الدولة، بل بيد من قرّر أن يختطفها. حينها، لم تكن بيروت فقط تحت الضغط،
بل كانت تحت الاختبار: هل تبقى مدينة مفتوحة للحياة، أم تتحول إلى ساحة رسائل إقليمية؟
المشكلة لم تبدأ في ٧ أيار، بل تكرّست في هذا اليوم.
فـ حزب الله لم يعد مجرد طرف سياسي، بل تحوّل إلى لاعب يتفرّد بقرار الحرب والسلم، يجرّ البلاد إلى مواجهات لا يريدها الشعب اللبناني، ويضع الاقتصاد والأمن والاستقرار رهينة حسابات تتجاوز الحدود. هذا التفرد ليس مجرد خلل في التوازن الداخلي، بل هو نسف لفكرة الدولة نفسها.
أي دولة يمكن أن تقوم، فيما قرارها السيادي موزّع؟ أي اقتصاد يمكن أن ينهض، فيما المخاطر الأمنية تُفرض فرضاً؟ وأي مجتمع يمكن أن يستقر، فيما السلاح خارج الشرعية يفرض منطقه على الجميع؟
الأخطر أن هذه الهيمنة لا تُمارَس فقط بالقوة، بل تُغلَّف بخطابٍ يحاول إعادة كتابة الوقائع.
ففي الوقت الذي يُدفن فيه اللبنانيون تحت أزمات متراكمة، يخرج من يذكّر بأن مشروع السلام كان مشروع رفيق الحريري، وكأن المطلوب اليوم ليس فقط تهميش هذا المشروع، بل أيضاً طمس الحقيقة المرتبطة باغتياله.
هنا، لا يمكن القفز فوق السؤال المركزي: من أمر؟ من نفّذ؟ ومن استفاد؟ هذه ليست شعارات، بل جوهر معركة العدالة في لبنان.
لأن اغتيال الحريري لم يكن جريمة عادية، بل زلزالاً سياسياً غيّر وجه البلد، وفتح الباب أمام مرحلةٍ من الانقسام الحاد والهيمنة التدريجية.
إن محاولة فصل الواقع الحالي عن تلك الجريمة، هو تضليل مقصود. فالمسار واحد: إضعاف الدولة، كسر التوازن، وفرض معادلة جديدة بقوة الأمر الواقع.
لذلك، فإن استعادة الحقيقة ليست ترفاً، بل ضرورة سياسية ووطنية.
بيروت التي دفعت ثمناً في ٧ أيار، لا تزال تدفع.
وأهلها الذين كُسروا يومها، لم يُهزموا، لكنهم تُركوا وحدهم في مواجهة مشروع أكبر من مدينتهم. التاريخ، كما قيل، لا يغفر. لكنه أيضاً لا ينسى.
والسؤال اليوم ليس ماذا حدث، بل: من يجرؤ على قول الحقيقة كاملة، ومن يملك الإرادة لكسر الحلقة نفسها التي تعيد إنتاج ٧ ايار بأشكال مختلفة؟
في بلدٍ يُراد له أن يعتاد على الاستباحة، تبقى الذاكرة أخطر سلاح. لأن من يتذكر، لا يقبل أن تتكرر الجريمة.










