تدخل كوبا مرحلة شديدة الحساسية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، في ظل تصاعد غير مسبوق في الضغوط الأميركية، وسط تحذيرات من أن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد تدفع الجزيرة نحو اضطرابات اقتصادية واجتماعية واسعة.
وفي وقت تعاني فيه هافانا من أزمات مزمنة في الطاقة والاقتصاد وتأمين المواد الأساسية، يرى مراقبون أن الإجراءات الأميركية الأخيرة، خصوصاً المرتبطة بتشديد القيود على استيراد النفط، تمثل تحولاً لافتاً في مسار الضغط، وقد تفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطراباً يصعب التنبؤ بمآلاتها، بحسب “فورين بوليسي”.
جذور خلاف طويل بين واشنطن وهافانا
تعود التوترات بين الولايات المتحدة وكوبا إلى ما بعد ثورة فيدل كاسترو عام 1959، حيث ظل الملف الكوبي من أكثر القضايا تعقيداً في العلاقات الثنائية.
حمّلت كوبا العقوبات الأميركية مسؤولية جزء كبير من أزماتها الاقتصادية، بينما رأت واشنطن أن الاختلالات الداخلية في الإدارة والاقتصاد تقف خلف تعثر التنمية وتراجع مستوى المعيشة.
ورغم فترة الانفتاح النسبي في عهد باراك أوباما، والتي شملت استئناف العلاقات الدبلوماسية وزيارة تاريخية إلى هافانا، فإن هذا المسار تراجع لاحقاً مع عودة سياسة الضغط الأقصى.
ضغوط اقتصادية تقترب من العزل
يرى معارضو السياسة الأميركية أن الإجراءات الأخيرة تتجاوز إطار العقوبات التقليدية لتقترب من عزلة اقتصادية واسعة على الجزيرة.
وتزداد حساسية هذا المسار مع اعتماد كوبا الكبير على استيراد الوقود لتشغيل الكهرباء وتأمين النقل والإنتاج، ما يجعل أي خلل في الإمدادات سبباً مباشراً لتفاقم الأزمة المعيشية.
ومع استمرار انقطاع الكهرباء وتراجع النشاط الاقتصادي، تتصاعد المخاوف من اتساع الاحتجاجات وارتفاع مستويات السخط الشعبي.
أبعاد سياسية داخلية في واشنطن
لا ينفصل التصعيد الأميركي عن الحسابات الداخلية، خصوصاً في ولاية فلوريدا التي تضم جالية كوبية واسعة.
ويرى محللون أن تشديد الضغط يحظى بدعم قطاعات من المنفيين الكوبيين الذين يعتبرون أن الظروف باتت مناسبة لإنهاء إرث النظام الحالي.
كما يبرز تأثير وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه كوبا، في رسم توجهات السياسة الأميركية.
ما بعد أي تغيير محتمل
يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بما قد يحدث في حال أدت هذه الضغوط إلى تغيير سياسي مفاجئ داخل الجزيرة.
فالتجارب الدولية تشير إلى أن انهيار الأنظمة لا يضمن انتقالاً مستقراً، خصوصاً في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية ومؤسسات ضعيفة.
وفي الحالة الكوبية، يحذر مراقبون من سيناريوهات تشمل موجات هجرة واسعة نحو فلوريدا، إضافة إلى صراعات سياسية واقتصادية حول السلطة والموارد.
الجالية الكوبية ودورها
تشكل الجالية الكوبية في الولايات المتحدة عاملاً مؤثراً في أي مرحلة انتقالية محتملة.
فعدد من رجال الأعمال والسياسيين من أصول كوبية يرون أنفسهم جزءاً من مشروع إعادة الإعمار، لكن هذه الرؤية تصطدم بتعقيدات الواقع الاجتماعي داخل الجزيرة.
كما يُنتقد جزء من خطاب المنفى لاعتماده على صورة مثالية لكوبا قبل الثورة، متجاهلاً التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدتها البلاد.
أزمة مركبة بلا تفسير واحد
بعيداً عن الاستقطاب السياسي، لا يمكن اختزال الأزمة الكوبية في صراع أيديولوجي فقط.
فالبلاد تواجه اختلالات داخلية في الإدارة والاقتصاد، إلى جانب ضغوط خارجية مستمرة حدّت من اندماجها في الاقتصاد العالمي.
وبالتالي، فإن فهم المشهد يتطلب النظر إلى العاملين معاً بدل تحميل المسؤولية لطرف واحد.
كوبا أمام مرحلة مفصلية
في المحصلة، تبدو كوبا أمام وضع دقيق مع تفاقم أزمة الطاقة وتزايد الضغوط الخارجية.
وبينما تبقى السيناريوهات مفتوحة بين صمود النظام أو انتقال سياسي معقد، يظل القلق الأكبر مرتبطاً بتداعيات إنسانية محتملة إذا انفجرت الأوضاع داخلياً.
وهكذا، تتجه الجزيرة نحو مرحلة جديدة من التوتر مع الولايات المتحدة، قد تعيد رسم ملامح المشهد في منطقة الكاريبي خلال السنوات المقبلة. (آرم نيوز)













