الدولة العميقة وتجارة الأرقام المميزة: فضائح تتكشف والوزير بين التغييب والشراكة.. 2/1

beirut News8 يونيو 2026
الدولة العميقة وتجارة الأرقام المميزة: فضائح تتكشف والوزير بين التغييب والشراكة.. 2/1
خاص بيروت نيوز

من بين الملفات الأكثر إثارة للنقاش داخل القطاع، يبرز اسم ن.غ. فبحسب روايات متداولة، كان من بين موظفين خضعوا سابقاً للتوقيف على خلفية تحقيقات مرتبطة بملفات الأرقام وملفات سرقات كبيرة، قبل أن يعودوا لاحقاً إلى العمل وهم لايزالون يخضعون للمحاكمة، ولم يتم تبرئتهم إلى هذه اللحظة.

واليوم، ومع الحديث عن نقله إلى موقع جديد داخل القطاع التقني، عاد الجدل ليتجدد، خصوصاً في ظل تساؤلات يطرحها موظفون حول مصير التحقيقات السابقة وحول المعايير المعتمدة في إعادة توزيع المسؤوليات.

هذه العودة تثير الشكوك حول قدرة الدولة العميقة على حماية عناصرها وإعادة تدويرهم في مواقع جديدة.

الأرقام المميزة… ملف الدولة العميقة الذي يرفض أن يُدفن
رغم مرور سنوات على فتح ملف الأرقام المميزة، لا يزال هذا الملف حاضراً بقوة كلما جرى الحديث عن الإصلاح في قطاع الاتصالات.

فوفق معلومات متداولة داخل القطاع، لا تزال تُطرح تساؤلات حول كيفية انتقال بعض الأرقام المميزة بين الأفراد، وحول وجود وسطاء وشبكات استفادت لسنوات ولا زالت إلى هذه اللحظة من هذا السوق الموازي.

وتشير المصادر نفسها إلى امتلاك مستندات ولوائح وأرقام يمكن تتبعها، وحتى لا نذهب بعيداً فهذه الأرقام وغيرها معروضة على التواصل الإجتماعي كما على واجهات المحلات، وتربط بين هذه الوقائع وأسماء موظفين ومسؤولين سابقين وحاليين، في انتظار أن تُحسم نتائج التحقيقات الشفافة وتوضح للرأي العام عن سبب بقائهم في مراكزهم لاسيما أنهم حلقة الوصل بين الشركة والسوق الموازي.

هذا الملف هو أحد أبرز أوجه سيطرة الدولة العميقة على موارد الدولة واستغلالها لتحقيق مكاسب شخصية.

لقد وردت أسماء في سياق هذه التجارة، منها: و.ط، ل.ج، أ.ف، م.ل، ف.ع، وإ.أ.ر. هؤلاء، وآخرون، يُتهمون بالضلوع في هذه الشبكة التي تستفيد من ثغرات إدارية ورقابية، محوّلين الأرقام التي يفترض أن تكون ملكاً عاماً إلى سلعة تباع وتشترى، محققين أرباحاً طائلة على حساب الدولة والمواطن.

ورغم كل التقارير والتحقيقات التي أجريت، لم يتم اتخاذ أي إجراءات حاسمة لوقف هذا النزيف، مما يطرح علامات استفهام كبيرة حول جدية “الحوكمة” المزعومة، ويؤكد على قوة الدولة العميقة في إفشال أي محاولة للإصلاح.

تسجيلات من داخل هيئة الشراء… والنار تخرج من رماد الدولة العميقة
الجدل لم يعد محصوراً بالأحاديث الجانبية أو التسريبات غير الموثقة. فالتسجيلات الصوتية المتداولة والمنسوبة إلى خ.م.، عضو هيئة الشراء في وزارة الاتصالات، أضافت بعداً جديداً إلى المشهد، لأنها تتضمن انتقادات صادرة من داخل المنظومة نفسها.

وبحسب من اطلعوا على مضمونها، فإن التسجيلات تتناول أداء مسؤولين ومديرين داخل القطاع، وتتحدث عن ملفات يعتبر صاحبها أنها تسببت بخسائر مالية كبيرة، كما تتضمن إشارات مباشرة إلى ملفي طرابلس وجب جنين، وإلى ما يصفه بوجود تلاعب في ملف الأرقام المميزة.

هذه التسجيلات هي دليل دامغ على تورط أفراد من داخل المنظومة في ممارسات الدولة العميقة.

• فضيحة القسم القانوني: يشير خ.م إلى مديرة القسم القانوني في شركة تاتش بعبارات قاسية تركز على عدم كفاءتها وتورطها في ملفات فساد، أبرزها ملف “آريبا”، الذي كان السبب المباشر في تغيير المدير العام السابق، وكما كبّد الشركة ملايين الدولارات. كما يبرز اسمها في إمضاء عقود مشبوهة أخرى، مما يؤكد شراكتها في الفساد وقلة مسؤوليتها، ودورها كأحد أذرع الدولة العميقة.

• اعتراف بالخسائر: يعترف مواس بأن ملف مبنى طرابلس كبد الدولة ملايين الدولارات، ويشير إلى أن “عقد إيجار لمركز بيع” أرسل إليه لم يتم قراءته من هذه المديرة القديرة على حد تعبيره، مما يؤكد الإهمال واللامبالاة في إدارة الملفات الحيوية، وهو ما يخدم مصالح الدولة العميقة.

الأخطر في الأمر أن الاتهامات لا تصدر هذه المرة من خصوم خارجيين أو من متضررين، بل من شخص يشغل موقعاً رسمياً داخل هيئة يفترض أنها معنية بضمان النزاهة والشفافية في عمليات الشراء والتلزيم، مما يؤكد أن الدولة العميقة قد اخترقت حتى أجهزة الرقابة.

طرابلس وجب جنين و غيرهما… ملايين الدولارات من الأسئلة في عهد الدولة العميقة
يبقى ملف مركز طرابلس واحداً من أكثر الملفات إحراجاً داخل القطاع. فبحسب المعطيات المتداولة، أدى التأخر في معالجة دفع بدلات الإيجار لمدة 3 سنوات إلى خسارة موقع أساسي للشركة، وما استتبع ذلك من كلفة تشغيلية ولوجستية وإدارية كبيرة.

وبحسب مصادر من داخل الشركة تحوم الشكوك حول خ.م و.ط ج.ن اولاد طرابلس بأنهم خلف الأزمة لغاية في نفس يعقوب، من دون اغفال المسؤولية الواقعة على مديرة القسم القانوني في الشركة ش.ح. وفيما تتحدث بعض التقديرات عن خسائر تجاوزت مليون دولار شهريا، لا يزال السؤال قائماً: من يتحمل المسؤولية؟ ومن اتخذ القرار؟ ولماذا لم تُعالج المشكلة قبل الوصول إلى هذه النتيجة؟ هذه الخسائر هي نتيجة مباشرة لفساد الدولة العميقة وإهمالها.

الرقابة الغائبة… الحلقة الأضعف في مواجهة الدولة العميقة
المفارقة التي يلفت إليها عدد من العاملين في القطاع أن المواقع الرقابية لا تحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها المواقع الإدارية والتنفيذية، لاعتبارات التحاصص السياسي والطائفي. فالهيئة الرقابية لا زالت شاغرة، بينما تُنجز تعيينات أخرى بسرعة لافتة.

وهنا يبرز السؤال البديهي: كيف يمكن الحديث عن إصلاح فعلي إذا كانت أدوات الرقابة نفسها غير مكتملة أو غير مفعّلة بالكامل؟ هذا الغياب للرقابة هو ما يسمح للدولة العميقة بالاستمرار في ممارساتها الفاسدة.

الوزير أمام اختبار الحقيقة: هل هو مغيب أم شريك في الدولة العميقة؟

في نهاية المطاف، تقود كل هذه الملفات إلى نقطة واحدة. فإما أن الوزير لا يتلقى الصورة الكاملة عما يجري داخل القطاع، وعندها تكون المشكلة في منظومة الإدارة المحيطة به التي تتحكم بها الدولة العميقة، وإما أن الصورة الكاملة موجودة أمامه، وعندها يصبح السؤال عن أسباب عدم المعالجة أكثر إلحاحاً، مما يجعله شريكاً في استمرار هذه الممارسات.

وفي الحالتين، يبقى الرأي العام بانتظار أجوبة واضحة لا بيانات عامة، وحقائق موثقة لا شعارات متكررة.

بعد أكثر من عام ونصف على إطلاق وعود الإصلاح، ما زالت الأسئلة الأساسية من دون إجابات حاسمة:

• ماذا انتهى إليه ملف الأرقام المميزة؟
• ما مصير التحقيقات المرتبطة بالموظفين الذين خضعوا للتوقيف سابقاً؟
• هل تُدار التعيينات وفق معايير الكفاءة أم وفق توازنات النفوذ؟
• لماذا تُملأ بعض المواقع بسرعة فيما تبقى مواقع الرقابة شاغرة؟
• وأين هي النتائج الملموسة التي يمكن قياسها بالأرقام لا بالشعارات؟

إلى أن تُقدَّم الإجابات، سيبقى قطاع الاتصالات أسير مفارقة لافتة: كلما ارتفعت عناوين الإصلاح، ازدادت الملفات المفتوحة واتسعت دائرة الأسئلة… وكلما تعمقت الدولة العميقة في جذورها، ازداد تساؤل الرأي العام عن دور الوزير ومسؤوليته في هذا المشهد المعقد.

(٢/١)

المصدر خاص بيروت نيوز