
منحت الولايات المتحدة لبنان ما يقارب السنتين لترتيب بيته الداخلي، وتنفيذ القرار 1701، وحصر السلاح بيد الدولة، والانخراط في مسار سياسي واقتصادي ينسجم مع التحولات الكبرى التي تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، تمامًا كما يجري في دول أخرى تسابق الزمن للحاق بالمتغيرات.
لكن في لبنان، بدا المشهد مختلفًا. فبدل الاستفادة من المهلة، انشغلت القوى السياسية بإنتاج المزيد من التأجيل، وابتكار نسخ جديدة من “الحلول اللبنانية” التي تقوم على تدوير الزوايا وشراء الوقت، وكأن الزمن توقف عند مرحلة كان بالإمكان فيها التحايل على الاستحقاقات أو الالتفاف على الالتزامات الوطنية والدولية.
البعض لا يزال يعيش على وهم أن سياسة المماطلة التي رافقت تنفيذ اتفاق الطائف لعقود يمكن أن تتكرر اليوم.
لكن ما يتجاهله هؤلاء أن المنطقة تبدلت، والموازين تبدلت، والعالم لم يعد مستعدًا لانتظار دولة عاجزة عن اتخاذ قراراتها المصيرية.
والحصيلة كانت كارثية: حرب عبثية دفعت البلاد ثمنها دمًا ودمارًا، وخلفت نحو عشرين ألفًا بين شهيد وجريح، وأعادت لبنان إلى دائرة الضغوط الخارجية والوصايات التي ظن كثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي.
المفارقة أن بعض القوى لا تزال تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث، وتراهن مجددًا على التسويات الرمادية والحلول المؤقتة، فيما الوقائع على الأرض تقول إن هامش المناورة يضيق يومًا بعد يوم.
ويبقى السؤال الذي يهرب منه الجميع: كم حربًا أخرى يحتاج اللبنانيون؟ وكم ضحية إضافية يجب أن تسقط؟ وكم فرصة يجب أن تضيع قبل الاعتراف بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن زمن الهروب من الاستحقاقات انتهى؟
المؤسف أن هناك من لا يزال يعتقد، حتى هذه اللحظة، أن “الخلطة اللبنانية” السحرية قادرة على إنقاذ ما لم تعد الوقائع تسمح بإنقاذه.










