سوريا وفرنسا… مسار اقتصادي جديد بين فرص إعادة الإعمار وتحديات التحوّل

beirut News10 يوليو 2026
سوريا وفرنسا… مسار اقتصادي جديد بين فرص إعادة الإعمار وتحديات التحوّل


تمثل مرحلة إعادة الإعمار في سوريا أحد أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد منذ اندلاع الأزمة، فإعادة بناء الاقتصاد السوري تتطلب استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية، وإعادة دمج البلاد تدريجياً في الاقتصاد العالمي، إلى جانب توفير بيئة مستقرة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا والخبرات.








وفي هذا الإطار، تبرز الشراكات الاقتصادية مع الدول الصديقة والجهات الدولية بوصفها أحد المسارات الرئيسة لدعم عملية إعادة الإعمار، إذ لا يقتصر دورها على توفير التمويل، بل يمتد إلى إعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير قطاعات الطاقة والنقل والموانئ والمياه، وتحفيز النشاط الإنتاجي. ومن هنا، فإن الاتفاقات الاقتصادية الأخيرة مع فرنسا، ولا سيما تلك المبرمة في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، أثبتت أنها تمثل نقطة تحول ملموسة في التعاون الثنائي، إلا أن تأثيرها في المسار الاقتصادي يعتمد على عوامل متعددة تتجاوز الالتزامات الرسمية.

ووفقاً لتقارير البنك الدولي، بلغت التكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار نحو 216 مليار دولار، فيما يشكل قطاع البنية التحتية وحده نحو 48% من إجمالي الأضرار، أي ما يقارب 104 مليارات دولار، الأمر الذي يجعل الاستثمارات في الموانئ والطرق والطاقة المتجددة أولوية استراتيجية. أما الاتفاقات مع فرنسا، التي شملت دعماً لجهود إعادة الإعمار وتخفيفاً جزئياً للعقوبات في قطاعات الطاقة والنقل، فلم تتجاوز حتى الآن المرحلة التجريبية، إذ ركزت بصورة أساسية على ميناء اللاذقية، حيث وقّعت شركة CMA CGM اتفاقية امتياز لمدة ثلاثين عاماً بقيمة 230 مليون يورو (نحو 260 مليون دولار)، تتضمن استثمار 30 مليون يورو خلال السنة الأولى، وإنشاء رصيف جديد بكلفة 200 مليون يورو على مدى أربع سنوات.

ووفق قراءة الباحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية عدي سلطان، فإن دخول الشركات الفرنسية الكبرى إلى مشاريع البنية التحتية، كما في هذه الحالة، يعزز القدرة على تطبيق معايير دولية في التشغيل والاستدامة، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول مستوى الشفافية في تفاصيل العقود. فقد أشار تقرير اقتصادي صدر عام 2025 إلى أن العديد من الصفقات الكبرى، بما فيها تلك الموقعة مع شركات أوروبية، تعاني نقصاً في الإفصاح.وتكمن أهمية هذا الانخراط في نقل التكنولوجيا والخبرات، ولا سيما في قطاع اللوجستيات البحرية، إلا أن النتائج الفعلية ستظل مرتبطة بالقدرة على جذب رؤوس أموال إضافية وخفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل.

من شأن تطوير ميناء اللاذقية أن يعزز موقع سوريا في حركة التجارة الإقليمية والدولية، إذ يُتوقع أن يستقطب استثمارات إضافية بقيمة 260 مليون دولار، مع رفع قدرته على استقبال سفن أكبر وتعزيز الشبكات اللوجستية الإقليمية. ويأتي هذا المشروع ضمن إطار أوسع لإعادة الإعمار، تدعمه التعهدات الأوروبية التي بلغت 5.8 مليارات يورو خلال مؤتمر بروكسل لعام 2025، منها 2.5 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي. إلا أن فعالية هذه المشاريع، بحسب سلطان، تعتمد على ربطها بالممرات التجارية الإقليمية، في حين لا تزال البيانات المتوافرة محدودة، نظراً إلى أن التشغيل الكامل للمشاريع لم يبدأ بعد، مما يجعل تقييم آثارها الاقتصادية سابقاً لأوانه ويزيد احتمالات تأخر تحقيق عوائدها.

ويشكل الموقع الجغرافي لسوريا، بوصفها حلقة وصل بين أوروبا والخليج العربي والشرق الأوسط، فرصة استراتيجية في مجال النقل والممرات التجارية، ولا سيما عبر “الممر الوسطي” الذي يربط آسيا بأوروبا عبر مسار بري قصير لا يتجاوز 500 كيلومتر، بما قد يخفض التكاليف اللوجستية بنسبة تتراوح بين 30 و40% مقارنة بالطرق البحرية التقليدية. كما يتيح هذا الموقع الوصول المباشر إلى موانئ البحر المتوسط والأسواق السعودية والأردنية خلال أقل من يومين، مع إمكانية تحويل سوريا إلى جسر بري للصادرات الزراعية والصناعية. ومع ذلك، تبقى الاستفادة من هذه المزايا، كما يقول سلطان، مشروطة بإعادة تأهيل البنية التحتية وترسيخ الاستقرار السياسي، إذ إن أي تدهور أمني قد يحد من تحقيق هذه المكاسب.

ويواجه تنفيذ المشاريع الاقتصادية المعلنة بين دمشق وباريس، وفق رأي الباحث الاقتصادي السوري، تحديات متعددة، أبرزها نقص السيولة وضعف الثقة المؤسسية، في ظل استمرار النظام المصرفي في مرحلة إعادة الارتباط بشبكة SWIFT. كما تشكل محدودية الشفافية في الصفقات، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني في بعض المناطق والمخاوف السياسية الداخلية، عوامل تحد من سرعة التنفيذ، رغم تأكيد فرنسا استمرار دعمها لجهود إعادة الإعمار حتى آذار 2025.

ويمكن للتعاون في مجالات الطاقة والمياه والنقل أن ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية، إذ تدعم الاتفاقات الفرنسية – الأوروبية تخفيف العقوبات في قطاع الطاقة، بما يشمل استيراد النفط السوري والإنتاج المحلي، الأمر الذي قد يسهم في معالجة أزمة الكهرباء التي تؤثر في الإنتاجين الصناعي والزراعي. كما يمكن أن يؤدي دعم مشاريع الطاقة المتجددة إلى تعزيز الصادرات الزراعية، في حين يسهم تطوير قطاع المياه في دعم الزراعة بوصفها أحد المحركات الرئيسة للنمو. غير أن نجاح هذه المشاريع يبقى رهناً بتوافر التمويل الكافي وتجنب تكرار أخطاء الماضي. ووفقاً للبنك الدولي، يمثل إصلاح قطاع الطاقة أحد أكبر الاحتياجات، لكنه يتطلب دعماً فنياً ومالياً مستداماً.

وتُعد مساهمة المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، عاملاً حاسماً في تمويل مشاريع إعادة الإعمار، إذ سمحت تسوية الديون السابقة، البالغة نحو 15.5 مليون دولار، إلى جانب برامج الإقراض الأولية، ومنها برنامج بقيمة 146 مليون دولار لقطاع الطاقة، بفتح آفاق جديدة.

وعليه، يمكن القول، وفق قراءة سلطان، أن الاتفاقات مع فرنسا تمثل تحولاً جزئيا، في السياسة الاقتصادية السورية، ولا سيما بعد التخفيف الجزئي للعقوبات الأميركية والأوروبية خلال عام 2025، ومساهمة فرنسا في دعم إعادة هيكلة بنك سوريا المركزي، وتكمن أهمية هذه الخطوات في أنها تفتح المجال أمام إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي وجذب الاستثمارات الأجنبية، رغم أن الإصلاحات لا تزال في مراحلها الأولى وتعتمد بدرجة كبيرة على الشفافية والاستقرار. كما يعكس هذا المسار انتقالاً تدريجياً من نموذج اقتصادي مركزي إلى نموذج يمنح القطاع الخاص دوراً أكبر، رغم استمرار التحديات التنفيذية.

ويمكن للشراكة مع فرنسا أن تسهم في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية عبر نقل المعايير الدولية في إدارة الموانئ والبنية التحتية، كما في مشروع ميناء اللاذقية، إلا أن نجاحها يتطلب، كما يقول سلطان، إنشاء صناديق استثمار متعددة الأطراف وتعزيز مستويات الشفافية في العقود. وحتى الآن، لا تزال الاستثمارات الأجنبية المباشرة محدودة، مع تركّز ملحوظ للاستثمارات القادمة من دول الخليج.
وبناء على ما تقدم، فإن هذه الاتفاقات تشكل خطوة اولى لاندماج سوريا مجدداً في الاقتصاد العالمي، إذ تفتح الباب أمام إعادة الانضمام إلى منظومات التجارة الدولية وأنظمة المدفوعات العالمية، فضلاً عن

إعادة تفعيل اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي. غير أن تحقيق اندماج اقتصادي كامل يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية وجذب استثمارات إنتاجية في الصناعة والزراعة والبنية التحتية، بدلاً من الاقتصار على الاستثمارات العقارية والخدمية، كما حذرت بعض الدراسات الاقتصادية، علما انه وفقاً لصندوق النقد الدولي، ينبغي أن تركز الإصلاحات على تحسين كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الإدارة المالية، بدلاً من توسيع الإنفاق المركزي.

ورغم أهمية هذه الاتفاقات، فإن المخاطر الاقتصادية لا تزال كبيرة، وفي مقدمتها نقص السيولة، والضغط الديموغرافي الناتج عن وجود أكثر من ستة ملايين نازح داخلياً حتى كانون الثاني 2026، فضلاً عن التحديات الأمنية التي قد تعرقل تدفق الاستثمارات. كما يشكل استمرار التضخم واتساع فجوات البنية التحتية تحدياً إضافياً قد يحول الوعود الاستثمارية إلى نتائج محدودة.