من المناطق التجريبية إلى القضاء الكامل.. من يحدّد خريطة الانسحاب في الجنوب؟

beirut News14 يوليو 2026
من المناطق التجريبية إلى القضاء الكامل.. من يحدّد خريطة الانسحاب في الجنوب؟

تشكل جولة المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل في روما هذه المرّة، اختبارًا عمليًا يتخطى مسألة تحديد موعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، ليصل إلى آليات تنفيذه. فالنقاش لم يعد مقتصرًا على توقيت الانسحاب، وإنما بات يتركز على الجغرافيا التي سيبدأ منها، والجهة التي ستحددها، والمعايير التي سيُبنى عليها إعلان نجاح المرحلة الأولى والانتقال إلى المراحل اللاحقة. 

يقوم المقترح المطروح على تنفيذ ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”، حيث تنسحب القوات الإسرائيلية من مساحة محدودة، وينتشر الجيش اللبناني، وتبدأ عودة السكان والإعمار تدريجيًا، قبل تقييم النتائج والانتقال إلى منطقة أخرى. في المقابل، أعاد رئيس مجلس النواب نبيه بري طرح اعتماد قضاء كامل كوحدة أولى للتنفيذ، بدل الانطلاق من بلدات متفرقة قد تتحول إلى جزر أمنية معزولة.

يبدو الخلاف للوهلة الأولى تقنيًا بين مساحة صغيرة وأخرى أوسع، غير أنه يلامس في جوهره شكل السيادة التي ستستعيدها الدولة وطبيعة حضورها على الأرض. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم المنطقة التي سيبدأ منها الانسحاب، وإنما بكيفية تعريف النجاح في كل مرحلة، ومن يملك حق تقييمه. هل يكون الانسحاب اختبارًا أمنيًا محدودًا ينتقل من بلدة إلى أخرى، أم مسارًا متكاملًا تستعيد فيه الدولة أرضًا متصلة، وتنشر عليها جيشها ومؤسساتها؟
 
منطق “المنطقة التجريبية”

يمنح التدرج الجغرافي إسرائيل فرصة لاختبار قدرة الدولة والجيش على تثبيت سلطتهما ومنع عودة أي نشاط مسلح خارج الشرعية، قبل توسيع رقعة الانسحاب. ويُفترض، وفق هذا المنطق، أن يتيح التنفيذ المحدود بدء العملية من دون انتظار تسوية شاملة تغطي الجنوب كله، وأن يقلل المخاطر الأمنية المرتبطة بالانتقال دفعة واحدة إلى مساحة أوسع. كما يتيح هذا الأسلوب مراقبة ردود الفعل الميدانية والسياسية على كل خطوة، وتعديل آليات التنفيذ تبعًا للنتائج.

تبدو الصيغة عملية في ظاهرها، لأنها تتيح بدء الانسحاب من مساحة صغيرة وتخفف مخاطر الانتقال دفعة واحدة إلى مرحلة أوسع، لكن مشكلتها البنيوية أنها تُبقي مصير كل منطقة رهينة تقدير إسرائيل لنجاح المرحلة السابقة. فإذا اعتبرت أن الجيش لم ينجز المطلوب، تستطيع تأجيل الانسحاب التالي أو إضافة شروط جديدة، وعندها لا يعود التدرج وسيلة لتسهيل الانسحاب، وإنما يتحول إلى أداة لتعليقه أو إبطائه.

تزداد خطورة هذا المسار في غياب جدول زمني ملزم. فإسرائيل تنظر إلى “المناطق التجريبية” من زاوية قدرتها على منع استعادة “حزب الله” حضوره العسكري، بينما يقيس لبنان نجاح المرحلة بمعايير أوسع تشمل الانسحاب، وانتشار الجيش، ووقف الاعتداءات، وعودة السكان، وبدء الإعمار. فإذا انحصر حق التقييم بإسرائيل، بقي الانسحاب كله رهينة تعريف أمني متغير تستطيع رفع سقفه بعد كل خطوة.
 
القضاء الكامل بين السيادة وصعوبة التنفيذ
في المقابل، يطرح اعتراض بري مقاربة مختلفة تقوم على اعتماد قضاء كامل بدلًا من بلدات متفرقة، بحيث يشمل التنفيذ الانسحاب وانتشار الجيش وعودة المؤسسات والخدمات والإعمار ضمن مساحة إدارية واحدة ومتصلة. ويستند بري في اعتراضه إلى أن بعض المناطق المطروحة ضمن صيغة “المناطق التجريبية” غير محتلة أصلًا، ما يثير، في رأيه، تساؤلات حول الهدف من اختيارها، ويعزز حجة اعتماد وحدة جغرافية أوسع تمنح الانتشار معنى متكاملًا لا رمزيًا.
 
يمنح هذا الخيار الجيش انتشارًا أكثر تماسكًا، ويسمح بربط الأمن بعودة الإدارة والإعمار والحياة الطبيعية. فالسيادة لا تكتمل بمجرد رفع العلم أو إقامة حاجز عسكري، وإنما تحتاج إلى عودة السكان، وفتح الطرق، وتشغيل المؤسسات، واستعادة النشاط الاقتصادي. من هنا، يحاول اقتراح القضاء نقل المرحلة الأولى من اختبار أمني يركز على ما يجب أن يفعله لبنان، إلى عملية متبادلة تبدأ بانسحاب إسرائيلي واضح من مساحة محددة.

مع ذلك، لا يخلو خيار القضاء الكامل من صعوبات. فكلما اتسعت المنطقة الأولى، ازدادت حاجات الجيش البشرية واللوجستية، وقد تستفيد إسرائيل من ذلك لرفع سقف شروطها أو الادعاء أن الدولة غير مستعدة لتسلّم مساحة كبيرة دفعة واحدة. لذلك لا تكمن المسألة في حجم المنطقة وحده، وإنما في وجود جدول زمني واضح والتزامات متزامنة تمنع أي طرف من استخدام التفاصيل التقنية ذريعة لتجميد المسار.
 
يختصر الخلاف على خريطة الانسحاب جوهر الاختبار الحقيقي لجولة روما: من يملك رسم الطريق بعد الخطوة الأولى؟ فإذا نجح لبنان في ربط الانسحاب بجدول معلن، وانتشار متزامن، وعودة فعلية للمؤسسات والسكان، تحولت المرحلة الأولى إلى مدخل لاستعادة الأرض. أما إذا بقي الانتقال من منطقة إلى أخرى رهين التقييم الإسرائيلي والشروط المتبدلة، فقد تتحول “التجربة” إلى آلية لإدارة الانسحاب بالتقسيط، من دون ضمان وصوله إلى نهايته.