نشر موقع “arabnews” تقريراً جديداً رأى فيه أن لبنان يقف اليوم أمام محطة مفصلية في تاريخه الحديث، معتبراً أن المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل لا تقتصر على كونها جولة دبلوماسية جديدة أو محاولة لاحتواء التوتر على الحدود الجنوبية، بل تمثل فرصة لتجنيب البلاد حرباً جديدة وفتح الباب أمام انتقال النقاش الوطني من المواجهة العسكرية إلى مسار التعافي وإعادة الإعمار.
التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” أشار إلى أن نجاح هذه المفاوضات، سواء أفضت إلى تفاهم طويل الأمد أو أسهمت فقط في خفض احتمالات التصعيد العسكري، يبقى مشروطاً بأن تستند أي تسوية إلى المصلحة الوطنية اللبنانية وأن تحظى بدعم جبهة لبنانية موحدة، لأن أي اتفاق لن يكون مجدياً إذا افتقد هذين العنصرين.
وأوضح أن لبنان دفع على مدى عقود أثمان الصراعات الإقليمية، حيث دُمّرت قرى بأكملها، ونزحت آلاف العائلات، وتعرضت البنية التحتية للتدمير مراراً، بالتزامن مع واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه، تمثلت في انهيار العملة الوطنية، وضعف مؤسسات الدولة، واستمرار هجرة الكفاءات الشابة بحثاً عن فرص أفضل في الخارج.
ورأى التقرير أن غالبية اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم السياسية، يتشاركون اليوم هدفاً واحداً يتمثل في العيش في دولة مستقرة وآمنة وقادرة على النهوض مجدداً، مؤكداً أن أي حرب جديدة لن تقدم حلولاً لأزمات البلاد، بل ستفاقمها.
وفي هذا السياق، دعا التقرير للنظر إلى المفاوضات الحالية من زاوية المصلحة الوطنية بعيداً من الاصطفافات السياسية، معتبراً أن الهدف لا ينبغي أن يكون تحقيق مكاسب سياسية لأي طرف، بل تعزيز أمن لبنان واستقراره وتهيئة الظروف لإعادة بناء الاقتصاد واستعادة الثقة بمؤسسات الدولة.
وذكر التقرير أن نجاح المسار الدبلوماسي في تقليص خطر الحرب، وتشجيع الاستثمارات، وإتاحة عودة النازحين إلى مناطقهم، وتمكين الحكومة من التركيز على التعافي الاقتصادي، سيعود بالفائدة على جميع اللبنانيين، مشدداً على أن الاستقرار ليس تنازلاً لأي جهة، بل استثماراً في مستقبل البلاد.
وفي المقابل، أكد التقرير أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي، إذ إن نجاح أي مفاوضات يتطلب أن يتحدث لبنان بصوت واحد، مُعتبراً أن الانقسامات الداخلية وتعدد الأجندات السياسية والرسائل المتناقضة لطالما أضعفت الموقف التفاوضي اللبناني، فيما تمنح الوحدة الوطنية الدولة قوة أكبر ومصداقية أعلى في أي مفاوضات.
وأشار إلى أن الوحدة الوطنية لا يمكن فرضها على المواطنين، بل يجب أن تبنى من خلال أداء المسؤولين عن إدارة المفاوضات، لافتاً إلى أن اللبنانيين يملكون حقاً مشروعاً في معرفة مسار هذه المحادثات، خاصة بعد عقود من الصراع التي ولّدت قدراً كبيراً من الحذر والشك تجاه أي تواصل مع إسرائيل.
كذلك، اعتبر التقرير أن هذه المخاوف لا ينبغي تجاهلها، بل التعامل معها باعتبارها تعبيراً عن الحرص على حماية سيادة لبنان ووحدة أراضيه وكرامته الوطنية.
وشدد التقرير على أن بناء الثقة الشعبية يتطلب قدراً عالياً من الشفافية والتواصل الصريح والالتزام الكامل بالمصلحة الوطنية، داعياً الحكومة إلى توضيح أهداف المفاوضات للرأي العام والتأكيد أن أي اتفاق لن يتضمن تنازلات تمس السيادة أو الأمن أو وحدة الأراضي اللبنانية، وأن جميع المقترحات يجب أن تُقيَّم وفق معيار واحد يتمثل في مدى خدمتها للمصلحة اللبنانية على المدى الطويل.
وأضاف أن هذه الضمانات ليست مجرد ضرورة سياسية، بل تشكل أساساً لبناء الثقة التي تقوم عليها الوحدة الوطنية، إذ إن المواطنين يكونون أكثر استعداداً لدعم الدولة عندما يقتنعون بأن قيادتهم تتفاوض انطلاقاً من المبادئ لا تحت وطأة الضغوط الخارجية.
ورأى التقرير أن التنوع السياسي في لبنان يجب ألا يتحول إلى عامل انقسام في هذه المرحلة، رغم تعدد القوى السياسية والطوائف والرؤى المختلفة لمستقبل البلاد، معتبراً أن هناك محطات تاريخية تفرض تغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات الحزبية، وأن المرحلة الحالية تمثل واحدة من هذه المحطات.
وأكد أن اللبنانيين، سواء كانوا مؤيدين لـ”حزب الله” أو معارضين له أو منتمين إلى أي تيار سياسي آخر، يشتركون جميعاً في مصلحة واحدة تتمثل في حماية أمن لبنان وسيادته وتهيئة الظروف التي تضمن للأجيال المقبلة العيش في سلام وازدهار.
ولفت التقرير إلى أن دعم جهود الحكومة التفاوضية لا يعني التخلي عن القناعات السياسية أو تجاهل محطات الصراع السابقة، بل يعكس الإيمان بأن الدولة اللبنانية يجب أن تبقى المرجعية الأساسية في حماية مصالح البلاد. وفي الوقت نفسه، شدد على أن هذا الدعم لا يمنح الحكومة تفويضاً مطلقاً، بل يرافقه حق المواطنين في المطالبة بالمحاسبة والشفافية والإطلاع المستمر على مجريات التفاوض، مؤكداً أن الوحدة الوطنية الحقيقية تقوم على الثقة القائمة على المساءلة، لا على القبول غير المشروط.
وختم التقرير بالتأكيد أن لبنان عانى ما يكفي من الحروب والشلل السياسي وضياع الفرص، وأنه يستحق مستقبلاً ينصرف فيه اللبنانيون إلى إعادة بناء اقتصادهم، وتعليم أبنائهم، وجذب الاستثمارات، واستعادة الدور التاريخي للبلاد كمركز للثقافة والتجارة والحوار في المنطقة.












