تحول في السياسة السورية تجاه لبنان: انفتاح دبلوماسي بلا وصاية

beirut News15 يوليو 2026
تحول في السياسة السورية تجاه لبنان: انفتاح دبلوماسي بلا وصاية

ذكر موقع “Middle east council on global affairs” أنه: “جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في الرابع من تموز في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، إذ تزامنت مع المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، والضغوط المتزايدة بشأن ترسانة حزب الله، والمناورات العربية والإقليمية التي تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، كل ذلك في ظل التحولات التي أججتها الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران”.

 

وقال الموقع: “لقد حملت زيارة الشيباني إلى بيروت دلالات مهمة، خاصة مع حث أطراف دولية وإقليمية لدمشق على الانخراط في ترتيبات إقليمية ما بعد الحرب، سواء تعلق الأمر بأمن الحدود، أو مستقبل علاقتها مع حزب الله، أو إعادة هيكلة العلاقات اللبنانية-السورية وفق قواعد تختلف عن تلك التي حكمتها لعقود.
هذا السياق يثير تساؤلات جوهرية حول جهود سوريا لإعادة تعريف علاقتها مع حزب الله، وفتح قنوات تواصل جديدة مع لبنان، وإدارة المرحلة الانتقالية وفق ما يقتضيه ميزان القوى الإقليمي الجديد”.

وأضاف الموقع أنه: “أرسلت القيادة السورية الجديدة رسائل إلى بيروت وبقية المنطقة بشأن طبيعة علاقاتها مع لبنان، رافضةً العودة إلى أي دور عسكري أو أمني داخل لبنان، وهو الدور الذي هيمن عليه نظام الأسد من عام 1976 حتى 2005. ومع ذلك، أشارت زيارة الشيباني إلى بيروت إلى تحول ملحوظ في نهج التعامل مع الملف اللبناني؛ وهو الاستعداد للانخراط مع حزب الله واللقاء مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري”.

 

كل هذا يشير إلى رغبة دمشق في تأسيس نهج مختلف تجاه الطائفة الشيعية في لبنان، بعد سنوات من الجفاء في ظل الحرب الأهلية السورية. ومنذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة عقب الإطاحة ببشار الأسد، تجنبت حكومته خطاب الانتقام ضد القوى التي قاتلت طويلاً إلى جانب نظام الأسد، وفي مقدمتها “حزب الله”. كما نأت دمشق بنفسها عن أي محاولة لإحياء التحالفات التي كانت قائمة قبل سقوط نظام بشار الأسد في علاقتها مع بيروت”.

 

وأضاف: “لقد اختارت القيادة السورية طريقاً ثالثاً يقوم على فصل إرث الحرب السورية عن متطلبات بناء الدولة، مدفوعاً بأولويات استعادة الاستقرار الداخلي، وجذب الاستثمارات، وإعادة دمج سوريا في المحيط العربي والإقليمي.

 

وقد انعكس ذلك في تصريحات الرئيس الشرع خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث أكد أن سوريا ليس لديها نية للتدخل في الشؤون اللبنانية، مشدداً على أن مستقبل لبنان يجب أن يحدده اللبنانيون أنفسهم عبر مؤسساتهم الدستورية، بعيداً عن أي هيمنة أو تدخل خارجي”.

 

وقال الموقع: “هذا الموقف ليس مجرد رسالة للجمهور اللبناني، بل هو رسالة إلى دول المنطقة والمجتمع الدولي التي طرحت فكرة تكليف دمشق بأدوار أمنية أو سياسية ضمن تسوية محتملة في لبنان. ومع ذلك، فإن رفض سوريا التدخل في شؤون جارتها لا يعني انسحاباً كاملاً من الملف اللبناني؛ فالجغرافيا والحدود المشتركة والقضايا الأمنية والاقتصادية تجعل من الصعب على سوريا البقاء بمنأى عن أي ترتيب يخص لبنان. وبناءً على ذلك، تبنت القيادة السورية نهجاً بديلاً يقوم على الانخراط السياسي والدبلوماسي وبناء علاقات الدولة مع مختلف المكونات المجتمعية اللبنانية، مع الابتعاد عن أي مسار أمني أو عسكري قد يوحي بـ “الوصاية” التي ميزت عقوداً من العلاقات بين البلدين”.

 

كان اجتماع الشيباني مع بري في غاية الأهمية، ليس فقط بالنظر إلى موقع الأخير في السلطة التشريعية، بل أيضاً لكونه الشخصية الأكثر قدرة على إدارة التواصل مع الطائفة الشيعية، فضلاً عن علاقته التاريخية بحزب الله، مما جعل اجتماعهما مهماً لإعادة فتح قنوات الحوار. ومن خلال هذه الزيارة، أشارت دمشق إلى تحول في موقفها؛ فهي مستعدة لإدارة الخلافات بدلاً من إطالة أمدها، ولن ترفض التعامل مع أي طرف لبناني طالما أن هذا التعامل يخدم مصالح البلدين.

 

وذكر الموقع: “تأتي هذه الرسائل في ظل تحديات أمنية واستراتيجية مشتركة تواجه البلدين؛ فمثل جنوب لبنان، يخضع جنوب سوريا لاحتلال إسرائيلي مستمر ومحاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض وفي الساحة السياسية.

 

علاوة على ذلك، تنظر دمشق بقلق إلى أي ترتيب قد يتوصل إليه لبنان مباشرة مع إسرائيل، خشية أن يؤدي ذلك إلى اختلال ميزان القوى الإقليمي بطريقة تتجاهل المصالح السورية. وترى القيادة السورية في “اتفاق الإطار” اللبناني-الإسرائيلي الصادر في 26 حزيران أكثر من مجرد شأن لبناني داخلي، معتقدة أن للاتفاق تداعيات مباشرة على الأمن القومي السوري ومستقبل الصراع مع إسرائيل. وبالنسبة لدمشق، فإن هذا يستوجب فتح قنوات تواصل مع مختلف القوى السياسية اللبنانية”.

 

وفي السياق نفسه، قال: “تندرج زيارة الشيباني إلى مدينة طرابلس شمال لبنان. فمن خلال زيارة مدينة لطالما ارتبطت بمناهضة نظام الأسد، أرسل رسالة سياسية واضحة مفادها أن “سوريا الجديدة” تمتلك قواعد دعم سياسي واجتماعي داخل مختلف المجتمعات في لبنان. وعلاوة على ذلك، أكد أن علاقة سوريا بلبنان لم تعد محصورة في الحلفاء التقليديين أو قنوات سياسية محددة، بل تتجه نحو الانخراط مع مختلف المكونات اللبنانية التي ترى في استقرار سوريا مصلحة مشتركة.
كما عكست هذه المحطة تحولاً في طبيعة الوجود السوري في لبنان؛ فدمشق تهدف إلى تأسيس نوع من النفوذ يقوم على التقارب السياسي والتعاون الاقتصادي والمصالح المتشابكة، على النقيض من النفوذ الأمني والعسكري الذي اتسم به عهد نظام الأسد حتى عام 2005″.

 

وأضاف الموقع: “كان لقاء الشيباني مع بري وزيارته إلى طرابلس متكاملين؛ فبينما حمل الأول رسالة انخراط مع الطائفة الشيعية، أكد الثاني رغبة سوريا في ترسيخ حضورها داخل مراكز المدن اللبنانية التي تدعم مسارها السياسي الجديد. وهذا يعكس نهجاً يقوم على توسيع تواصل سوريا مع القوى اللبنانية المتنوعة لمواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها التوسع الإسرائيلي وإعادة رسم موازين القوى الإقليمية.

 

لقد أدركت دمشق أن المشهد الإقليمي قد تغير، وأن استقرار حدودها ومصالحها الأمنية يتطلب الانخراط مع فاعلين رئيسيين في لبنان، بغض النظر عن طبيعة علاقاتهم السابقة. وبالتالي، فإن هذا الانخراط يجسد نهجاً أكثر براغماتية تمليه اعتبارات الأمن القومي ومصالح أخرى، بدلاً من الاصطفافات الأيديولوجية أو التحالفات التقليدية”.

 

وختم الموقع: “لا يمكن عزل هذه الديناميكية عن السياق الإقليمي الأوسع؛ فتقارب سوريا مع جيرانها العرب، ودور تركيا في تعزيز خفض التصعيد بين مختلف الأطراف، والاهتمام الذي أبدته السعودية وقطر باستقرار لبنان، كلها عوامل تدفع باتجاه إنشاء قنوات تواصل. وتعمل هذه القنوات على تقليل احتمالات المواجهة وإدارة الخلافات بالوسائل السياسية.

 

قد يكون من السابق لأوانه الحديث عن مصالحة كاملة بين دمشق وحزب الله، كما سيكون من المبالغة اعتبار زيارة وزير الخارجية السوري نقطة تحول نهائية في علاقتهما. ومع ذلك، كشفت زيارته عن نهج سوري جديد يقوم على إدارة التعقيدات اللبنانية من منظور الدولة لا المحاور الإقليمية، وعلى إبقاء قنوات التواصل السورية مفتوحة مع مختلف المكونات اللبنانية.

 

بالنظر إلى الضغوط الإسرائيلية المستمرة على كل من جنوب لبنان وجنوب سوريا، إلى جانب تعثر جهود التسوية بين إسرائيل ولبنان، قد يبرز هذا الانخراط كعامل رئيسي في العلاقة بين دمشق وبيروت، وربما في طبيعة موازين القوى الإقليمية التي ستتشكل في بلاد الشام خلال الأشهر والسنوات المقبلة”.