في لحظة تتقاطع فيها التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة في لبنان والمنطقة، يتحرّك القطاع الخاص في طرابلس لاستثمار هذا الظرف الاستثنائي، في محاولة لإعادة المدينة إلى موقعها الطبيعي على الخارطة الاقتصاديّة. فمع سقوط النظام السوري، وإعادة رسم مسارات النقل والتجارة، وعودة الحديث عن مشاريع الربط الإقليمي وإعادة إعمار سوريا، برزت الفيحاء مجددًا، بوصفها إحدى أكثر المناطق اللبنانيّة قدرة على الاستفادة من هذه المتغيّرات، بحكم موقعها الجغرافي ومقوّماتها الاستراتيجيّة.
لا تنطلق هذه الرهانات من فراغ، إذ تمتلك طرابلس مجموعة من المقومات التي تؤهّلها للعب دور اقتصادي متقدّم، أبرزها مرفأ طرابلس، والمنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي الدولي، إضافة إلى إعادة تفعيل مطار رينيه معوض في القليعات. وهي مرافق يمكن أن تجعل من المدينة منصّة لوجستيّة واستثماريّة محوريّة، وبوابة رئيسيّة للمساهمة في ورشة إعادة إعمار سوريا، شرط توافر الإرادة السياسيّة والرؤية الاقتصاديّة الموحّدة.
رعاية رسميّة ورهان على التحوّلات
من هذا المنطلق، تأتي مبادرة «طرابلس 1 – رؤية 2035» كمحاولة يقودها القطاع الخاص، للاستفادة من الزخم الذي تفرضه المتغيّرات المحليّة والإقليميّة. وفي هذا الإطار، حمل رجل الأعمال سامر كبارة الطرح إلى السلطة التنفيذيّة، برفقة وفد اقتصادي، داعيًا إلى رعاية المؤتمر المزمع عقده في تشرين الأول المقبل، بالتوازي مع تحرّك يقوده على خطّ المؤسّسات والهيئات الاقتصاديّة في المدينة، لبناء موقف اقتصادي موحّد يتيح استثمار الفرص المستجدّة.
كبارة أكّد في حديث لـ”لبنان 24″ أنّ “طرابلس 1” يحظى بدعم رسمي واسع، إلى جانب القطاع الخاص. وأوضح أنّ المؤتمر هو مبادرة خاصّة يجري العمل عليها منذ أكثر من عامين، إلا أنّ التطورات الراهنة جعلت توقيت إطلاقها أكثر ملاءمة “فالتغيير في سوريا، إلى جانب بروز ممرّات اقتصاديّة جديدة في المنطقة، أعادا تسليط الضوء على المقوّمات التي تمتلكها طرابلس، ولا سيّما بنيتها التحتية التي أُنشئت منذ أكثر من خمسين عامًا، ما يضع المدينة أمام فرصة حقيقية لاستعادة دورها الاقتصادي وتفعيله”.
جمع الطاقات الاقتصادية تحت مظلّة واحدة
وعلى غرار مؤتمر “بيروت 1″، يهدف مؤتمر “طرابلس 1” إلى استقطاب الاستثمارات والترويج للمقومات الاقتصاديّة التي تمتلكها المدينة. وتحضيرًا لاطلاقه، يجري العمل على جمع القطاع الخاص الطرابلسي، والمستثمرين، وأبناء المدينة والشمال، والمغتربين، حول رؤية اقتصاديّة مشتركة، مع عرض المشاريع المنجزة وتلك قيد الإعداد، بما يوفّر صورة واضحة عن مستقبل طرابلس وفرصها الاستثماريّة. في السياق لفت كبارة إلى أنّ طرابلس تفتقر إلى إطار جامع يمثّل رجال الأعمال والقطاع الخاص، بخلاف بيروت التي تمتلك هيئات اقتصادية فاعلة، موضحًا أنّ القطاع الخاص في المدينة يعمل اليوم بصورة متفرّقة، فيما يهدف المؤتمر إلى توحيد الجهود، ووضع المشاريع القائمة أمام الرأي العام والمستثمرين، بما يشجّع رجال الأعمال على الانتقال من موقع المتفرّج إلى موقع الشريك في عملية التنمية. وأكد أنّه لا يؤمن بالعمل الفردي، بل بالعمل الجماعي “لذلك نعمل كقطاع خاص على صياغة رؤية موحّدة، برعاية الدولة اللبنانية والوزارات المعنية، وبمشاركة سفراء الدول الصديقة، بدل استمرار عمل كل مؤسسة بمعزل عن الأخرى”. معتبرًا أنّ هذا النهج من شأنه تقديم طرابلس كمنصّة استثمارية متكاملة، قادرة على استقطاب الرساميل، والاستفادة من التحوّلات الاقتصاديّة التي تشهدها المنطقة.
وفود استثمارية تستكشف مشاريع استراتيجية
لا يقتصر الرهان على توحيد الجهود المحليّة، بل يتعدّاه إلى استقطاب استثمارات خارجيّة، ترى في الشمال فرصة واعدة. إذ كشف كبارة عن اهتمام شركات تركيّة وقطريّة وسعوديّة بمشاريع استراتيجيّة في المنطقة، تشمل إعادة تفعيل سكك الحديد، وخط أنابيب النفط العراقي من كركوك إلى بانياس وصولًا إلى طرابلس، إضافة إلى المنطقة الاقتصاديّة الخاصة. وأكد أنّ وفودًا من هذه الشركات بدأت بالفعل القيام بزيارات استطلاعيّة للاطلاع على الفرص والإمكانات المتاحة.
استثمارات بمليارات الدولارات وفرص
تشكّل هذه المشاريع، وفق رؤية المبادرة، ركيزة أساسية لإعادة تموضع طرابلس اقتصاديًّا خلال السنوات المقبلة، ليس فقط عبر جذب الاستثمارات، بل أيضًا عبر تأمين فرص عمل، وتعزيز دور المدينة كمحور إنتاجي ولوجستي في الشمال. وكشف كبارة أنّ التقديرات الأوليّة تشير إلى إمكانية توفير نحو عشرة آلاف فرصة عمل، خلال السنوات العشر المقبلة، واستقطاب استثمارات تتراوح قيمتها بين مليارين وأربعة مليارات دولار إلى منطقة الشمال، معتبرًا أنّ هذه الأرقام لا تزال أوليّة وقابلة للتطوير مع تقدّم المشاريع. لافتًا إلى عدم امكانية تحديد جدول زمني دقيق لتحقيق هذه الأهداف، لأنّ ذلك يرتبط بتطوّر عدد من العوامل، “إلا أنّ المطلوب حاليًّا إنجاز التحضيرات،والعمل على الأرض لضمان جاهزية طرابلس للاستفادة من الفرص المتاحة”.
يبقى التحدّي الأكبر أمام مؤتمر «طرابلس 1» ألّا يتحول إلى محطّة إضافيّة في سلسلة المؤتمرات التي انتهت بياناتها من دون أثر ملموس.بل أن يمثلّ بداية مسار مختلف، يعيد وصل المدينة بخريطة الاقتصاد اللبناني والإقليمي. فعاصمة الشمال لا تفتقر إلى المقوّمات، بقدر ما تحتاج إلى رؤية موحّدة وإرادة تنفيذيّة قادرة على تحويل الفرص الكامنة إلى نمو وفرص عمل واستثمارات فعليّة.













