بدأ التنفيذ قبل اكتمال الانسحاب.. مَنْ يخضع للاختبار في المناطق التجريبية؟

beirut News21 يوليو 2026
بدأ التنفيذ قبل اكتمال الانسحاب.. مَنْ يخضع للاختبار في المناطق التجريبية؟


خرجت “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان من مرحلة التفاوض إلى الإعلان الرسمي عن بدء التنفيذ. فقد أعلنت واشنطن إطلاق المرحلة الأولى في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، فيما قال الجيش الإسرائيلي إن العمل بدأ بالتنسيق مع القيادة الوسطى الأميركية والجيش اللبناني، على أن تنطلق خطوات الانسحاب الإسرائيلي تباعًا. وبذلك، بدا أن الاتفاق الذي بقي أسابيع عالقًا بين الخرائط وشروط الرقابة دخل أخيرًا امتحانه الميداني الأول.

 
لكن صورة التنفيذ لا تزال أقل اكتمالًا مما يوحي به الإعلان الأخير. فالجيش أوضح أنه يواصل أصلًا مهماته في فرون وصريفا، بينما ربط بدء انتشاره في زوطر الغربية بانسحاب القوات الإسرائيلية منها، ودعا المواطنين إلى عدم التوجه إلى البلدة حتى إنجاز هذه الخطوة. وهذا يعني أن إطلاق المرحلة سبق، عمليًا، اكتمال انتقال السيطرة من الجيش الإسرائيلي إلى الجيش اللبناني.
 
أمام هذا التفاوت، انتقل الجدل إلى مضمون المرحلة نفسها: ماذا بدأ فعليًا، ومَنْ يخضع للاختبار أولًا؟ هل تمتحن المرحلة جدية إسرائيل في الانسحاب، أم تضع الجيش اللبناني أولًا أمام مهمة إزالة السلاح والبنى العسكرية، فيما يبقى خروج القوات الإسرائيلية مؤجلًا إلى ما بعد تقييم أدائه؟ في الحالة الثانية، تتحول “المناطق التجريبية” من آلية للانسحاب إلى مسار يختبر لبنان قبل إسرائيل.

 
ماذا بدأ فعليًا؟
 
يفترض أن تقوم فكرة “المناطق التجريبية” على تسلسل واضح يبدأ بانسحاب إسرائيل من منطقة محددة، لينتشر الجيش اللبناني فيها، ثم يتولى حصر السلاح بيد الدولة، ومنع عودة أي بنية عسكرية خارجها. غير أن البلدات الثلاث لا تبدأ من الوضع الميداني نفسه. فالجيش موجود أصلًا في فرون وصريفا، وقد عاد السكان إليهما، ولم تكونا خاضعتين لوجود إسرائيلي دائم، بينما يختلف وضع زوطر الغربية، إذ ربط الجيش انتشاره فيها بانسحاب القوات الإسرائيلية منها.
 
هذا التفاوت يجعل من الصعب التعامل مع الإعلان كأنه انسحاب إسرائيلي متكامل من ثلاث بلدات. ففي فرون وصريفا، قد يكون الجديد هو توسيع مهمات الجيش والتحقق من خلو المنطقة من السلاح، لا تسلم أرض كانت القوات الإسرائيلية تحتلّها. أما في زوطر الغربية، فيبقى بدء الانتشار اللبناني مرتبطًا بخطوة إسرائيلية لم تكن قد اكتملت عند إعلان بدء المرحلة. لذلك يبدو أن ما بدأ رسميًا هو تشغيل آلية التنسيق والرقابة، أكثر من كونه انسحابًا ميدانيًا مكتملًا.
 
تكمن خطورة هذا الالتباس في أنه قد ينقل مركز الاختبار من إسرائيل إلى لبنان، ويضع الجيش أمام سؤالين متلازمين: قدرته على تنفيذ المهمة، ومدى تعاون “حزب الله” معها. فالحزب لم يعلن حتى الآن موقفًا مباشرًا من إطلاق المرحلة، لكنه سبق أن رفض اتفاق الإطار واعترض على مسار التفاوض، ما يجعل موقفه العملي عنصرًا حاسمًا في نجاح الخطة أو تعثرها. وفي المقابل، استخدم مسؤول أميركي تعبير “تطهير” المناطق وتثبيت السيطرة عليها، بما يوضح أن واشنطن ترى المرحلة اختبارًا لأداء الدولة اللبنانية بقدر ما تراها خطوة على طريق الانسحاب.
 
من يملك إعلان النجاح؟
 
تمتد المشكلة من نقطة البداية إلى الجهة التي ستقرر أن التجربة نجحت. فمجموعة التنسيق العسكرية تشرف على التنفيذ، لكن المعايير التفصيلية التي ستقاس بها المرحلة لم تُعلن للرأي العام بصورة كاملة. ولا يزال غير واضح ما إذا كان النجاح يعني خروج القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش فقط، أم يتطلب إثبات خلو المنطقة من كل سلاح وبنية عسكرية، وفق معايير قد يختلف عليها لبنان وإسرائيل.
 
تمنح هذه المساحة إسرائيل قدرة واسعة على رفع سقف الشروط. فإذا بقي لها حق القول إن الإجراءات اللبنانية غير كافية، أو إن الجيش لم يفتش موقعًا معينًا، أو إن عناصر الحزب ما زالوا قادرين على العودة، تستطيع ربط الانسحاب من المنطقة التالية بتقييمها الخاص لنجاح المنطقة الأولى. عندها يتحول الانسحاب من التزام يفترض تنفيذه تدريجيًا إلى مكافأة تمنحها إسرائيل كلما اقتنعت بأن لبنان نفذ ما تطلبه.
 
يحتاج لبنان، في المقابل، إلى معيار قابل للقياس لا يترك الانتقال بين المراحل خاضعًا للتقدير الإسرائيلي وحده. وهذا يقتضي تحديد المنطقة التي ستنسحب منها إسرائيل، وموعد خروج قواتها، ونقطة تسلّم الجيش اللبناني المنطقة، وآلية التحقق، والمهلة التي تبدأ بعدها المرحلة التالية. كما يحتاج إلى ضمان ألا تحتفظ إسرائيل بحق العودة أو التوغل كلما ادعت ظهور تهديد جديد، لأن انسحابًا يسمح بإعادة الدخول عند الطلب لا ينهي الاحتلال، وإنما يغير صورته.
 
يشكل بدء التطبيق تطورًا مهمًا لأنه يخرج الاتفاق من دائرة التأجيل، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن انطلاق انسحاب إسرائيلي فعلي. نجاح المرحلة الأولى لا يقاس بإعلان ثلاث بلدات “مناطق تجريبية”، وإنما بخروج القوات الإسرائيلية من أرض لبنانية محددة، وانتشار الجيش فيها، وعودة السكان إليها، ثم الانتقال وفق جدول واضح إلى مناطق أخرى. أما إذا كان على لبنان أن يثبت نجاحه في كل منطقة قبل أن تقرر إسرائيل ما إذا كانت ستنسحب من التالية، فقد يكون التنفيذ قد بدأ فعلًا، لكن الانسحاب يبقى امتحانًا مفتوحًا بلا نهاية.