كيف دمرت الحرب السياحة في روسيا؟

beirut News25 يوليو 2026
كيف دمرت الحرب السياحة في روسيا؟


تعيش السياحة الداخلية في روسيا صيفاً صعباً، بعدما تراجعت حجوزات الفنادق وتبدلت خريطة الوجهات المفضلة لدى الروس، وسط ضربات مسيّرة، وأزمات وقود، وإغلاقات متكررة للمطارات، وتراجع في القدرة الشرائية.

وبحسب The Insider، أظهرت بيانات النصف الأول من الصيف أن حجوزات الفنادق في روسيا خلال حزيران انخفضت 15 في المئة مقارنة بالعام الماضي، فيما تراجعت حجوزات تموز وآب 10 في المئة. كما وصلت نسبة الحجوزات الملغاة عبر الإنترنت إلى 20 في المئة.

ولا تقتصر الأزمة على القرم المحتلة أو ساحل توابسي المتضرر بتلوث نفطي، بل تمتد من بحيرة بايكال إلى كالينينغراد. وبات الروس يعيدون حساباتهم في العطلات: رحلات أرخص، أقصر، وأكثر ارتباطاً بالحجز في اللحظات الأخيرة.

وتظهر التحولات بوضوح في ترتيب الوجهات. ففي صيف العام الماضي، كانت منطقة كراسنودار في صدارة الحجوزات، بينما جاءت القرم في المركز الرابع. أما هذا الصيف، فتصدرت موسكو وسان بطرسبورغ حجوزات حزيران، بينما تراجعت كراسنودار إلى المركز الثالث، في حين خرجت القرم من قائمة الوجهات العشر الأولى.

وتعاني القرم من انقطاعات كهرباء ونقص في البنزين وعزلة متزايدة، ما أدى إلى تراجع حاد في الطلب عليها. ووفق التقرير، سجّلت بعض البيانات انخفاضاً في الحجوزات داخل القرم بلغ 41 في المئة مطلع تموز، قبل أن تصبح الأرقام أكثر سوءاً لاحقاً.

وتحاول الفنادق في القرم إنقاذ الموسم بعروض كبيرة، وصلت في يالطا وألوشتا وسيفاستوبول إلى خصومات بين 40 و50 في المئة. كما بدأت بعض الفنادق الترويج لقدرتها على العمل بعيداً عن شبكات الكهرباء والمياه المركزية، عبر مولدات وآبار خاصة وإنترنت بالألياف الضوئية. وذهبت فنادق أخرى إلى عرض “بنزين مجاني” لا يقل عن 10 ليترات عند حجز ليلتين أو أكثر.

لكن ذلك لم يمنع موجة الإلغاءات. فوفق أرقام حديثة نقلها التقرير عن وسائل محلية، أُلغي 79 في المئة من الحجوزات في القرم، ووصلت الإلغاءات في بعض الفنادق خلال حزيران إلى 90 في المئة.

وتفاقمت الأزمة إلى حد أن الحكومة الروسية خصصت 3.7 مليارات روبل للقرم و584.5 مليون روبل لسيفاستوبول لدعم قطاع السياحة، خصوصاً عبر مدفوعات لموظفي أكثر من 4600 شركة عاملة في المجال.

ولا يبدو أن منتجعات كراسنودار استفادت كثيراً من انهيار القرم. فهناك أيضاً مشكلات نقل، وتحذيرات متكررة في المطارات بسبب خطر المسيّرات، وازدحام على الطرق، إضافة إلى تلوث نفطي في البحر، خصوصاً في توابسي بعد حريق كبير في مستودع نفطي نتيجة ضربة أوكرانية في نيسان.

ورغم إعلان السلطات المحلية تنظيف الشواطئ، تقول قنوات محلية على مواقع التواصل إن آثار النفط لا تزال ظاهرة في بعض المناطق. أما أنابا، التي عانت الموسم الماضي من تسرب نفطي واسع، فتسجل تعافياً نسبياً هذا العام بفضل العروض الرخيصة وأنظمة الإقامة الشاملة، لكنها لم تعد بعد إلى مستويات 2024.

وفي كالينينغراد، لم يتحول تراجع الطلب على البحر الأسود إلى فرصة. فقد سجلت الفنادق في بداية الصيف حجوزات أقل بنحو 20 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وسط تراجع كبير في رحلات المجموعات المنظمة. ويقول عاملون في القطاع إن حتى الفنادق الأكثر شعبية لا تزال تملك غرفاً شاغرة في منتصف تموز، وهو أمر غير معتاد.

أما بحيرة بايكال، فتواجه أزمة مختلفة مرتبطة بالوقود. فالوجهات السياحية الرئيسية تقع على بعد مئات الكيلومترات من المطارات ومحطات القطارات، كما تحتاج القوارب السياحية إلى البنزين. وتقدر جهات سياحية محلية أن 20 إلى 45 في المئة من الحجوزات أُلغيت بسبب أزمة الوقود، مع تحذيرات من أن استمرار تقنين البنزين قد يدفع غالبية الزوار القادمين من مناطق أخرى إلى إلغاء رحلاتهم.

وتتحدث شركات سياحية عن طوابير انتظار للوقود تصل إلى 12 ساعة، وارتفاع تكاليف الرحلات بسبب أسعار البنزين وقيود التزود به. كما أُلغيت بعض الرحلات البحرية السياحية المنتظمة على بحيرة بايكال، بينما اكتفت شركات نقل بالحفاظ على الرحلات الأساسية.

وتنعكس الأزمة على سلوك المسافرين في مختلف أنحاء روسيا. فبسبب اضطرابات النقل، ونقص الوقود، وإغلاقات المطارات، يتجه كثيرون إلى رحلات أقرب من منازلهم، خصوصاً في المناطق المحيطة بالمدن الكبرى مثل موسكو وسان بطرسبورغ وتولا وكالوغا وتفير ونوفغورود.

وتشير بيانات القطاع إلى أن الرحلات أصبحت أقصر. فقد انخفض متوسط عدد الليالي لكل حجز بنسبة 6.9 في المئة مقارنة بالعام الماضي. كما تقلصت فترة الحجز المسبق بشكل واضح، بعدما كان كثيرون يحجزون قبل 45 إلى 60 يوماً، باتت الحجوزات تتم غالباً قبل 21 إلى 25 يوماً، وأحياناً قبل أسبوع أو حتى قبل يوم إلى 3 أيام فقط.

ويقول أحد العاملين في قطاع السياحة لـThe Insider إن الفنادق لم تعد قادرة على توقع نسب الإشغال كما في السابق، لأن الناس يغيرون خططهم سريعاً عند ظهور ظروف مفاجئة. وبالنسبة إلى كثيرين، أصبح الخيار الأفضل هو تأجيل العطلة.

وتعلّق الفنادق وشركات السياحة آمالها الآن على موسم الخريف، أو ما يُعرف في روسيا بـ”الموسم المخملي”. ففنادق القرم تحاول إقناع الزبائن بعدم طلب استرداد الأموال، بل تأجيل الرحلات إلى وقت لاحق، وقد وافق على ذلك نحو 15 إلى 20 في المئة من المصطافين.

لكن الصورة العامة لا تزال قاتمة. فالسياحة الروسية، التي عاشت طفرة داخلية في 2024، تدخل الآن مرحلة تصحيح قاسية. الحرب، والوقود، والمسيّرات، وتراجع الدخل، كلها عوامل جعلت العطلة الصيفية بالنسبة إلى كثير من الروس قراراً محفوفاً بالحسابات لا مجرد رحلة للراحة.