كتب حامد الدقدوقي في الصدارة نيوز…زياد عيتاني الناطق الذي لم تعيّنه السفارة في بيروت يكفي أن يبدأ أحدهم كلامه بعبارة: “السعودية تريد” أو “الجو السعودي يتجه” حتى يتعامل بعض الحاضرين مع رأيه كأنه موقف رسمي. زياد عيتاني يكثر من هذا النوع من الكلام لا يقول صراحة إنه ناطق باسم المملكة لكنه يتحدث بطريقة تجعل المستمع يظن أن عيتاني ينقل قرارًا سعوديًا بدل أن يقدم تحليلًا صحافيًا.
عيتاني مدير مكتب صحيفة عكاظ السعودية في لبنان وله علاقة مهنية قديمة بالإعلام السعودي، هذا أمر معروف ولا خلاف عليه، لكن إدارة مكتب صحيفة لا تعني إدارة السياسة الخارجية للمملكة، والعمل في وسيلة إعلام سعودية لا يمنح صاحبه صفة دبلوماسية مهما طال الزمن .
نسمعه في الصالونات ونشاهده في المقابلات يخبر اللبنانيين ماذا تريد السعودية ومن تدعم وممن غضبت وما الذي حسمته، ومن يراجع عناوينه يجد “السعودية يلي ما بدو يفهم بتفهمو” و”السعودية ماء زمزم لبنان” و”إنها السعودية… حلف حيتان السنّة سيقوم”، ولا ينقصه بعد ذلك إلا أن يقدم النشرة الجوية وفق ما يراه اتجاه الرياح في الرياض.
دفاع عيتاني عن المملكة ليس موضع اعتراض وعلاقته المهنية بالإعلام السعودي ليست تهمة. الاعتراض يبدأ عندما يقدم الرأي بطريقة توحي بأن صاحبه يعرف خريطة الرضى والغضب في الرياض.
الأطرف أن عيتاني كتب قبل أسابيع أن الرياض تتعامل مع لبنان من خلال القنوات الرسمية حصرًا وأنها لا تتعاطى مع وكلاء محليين، فلنأخذ بهذا الكلام. فإن كان عيتاني قناة رسمية فليبرز كتاب تكليفه وإن لم يكن فليقل بوضوح إن ما يقدمه رأي صحافي يحتمل الصواب والخطأ. للمملكة سفير معتمد في بيروت ووزارة خارجية ووكالة أنباء وبيانات رسمية. حين تريد أن تقول شيئًا تقوله باسمها.
نصل إلى دار الفتوى
فالحملة على الدار لم تبق داخل موقع أيوب. عيتاني نفسه تولى من رقمه نشر جميع موادها وتعميمها على مجموعات واتساب.
خلال ثمانية عشر يومًا نشر موقع أيوب الذي أسسه عيتاني تسع مواد عن الدار ثم أعلن سلسلة جديدة. بدأت بـ”اجتماع طارئ” ثم “رجل دريان الذهبي” وتبعتها سلسلة “التمديد للمفتي” بعناوين منها “خلية سنو” و”الفرسان الثلاثة” و”ميقاتي السرّي والسنيورة الاستعراضي”.
وفي الطريق ظهر “تعيين مشبوه” و”دولة الرئيس قل لمحمود مكيّة لن أوقّع” و”لماذا يخافون من الشيخ أمين الكردي؟” ثم إعلان “ما هو المطلوب من دار الفتوى؟”. تسع مواد وإعلان مسلسل آخر خلال ثمانية عشر يومًا. حتى دار الفتوى لا تتحدث عن نفسها بهذا القدر.
وللدقة لا نجزم بأن عيتاني كتب مواد لم يوقّعها. الموقع يضع اليوم اسم رئيس تحرير آخر، لكن الثابت أنه مؤسس “أيوب نيوز” وأنه تولى من رقمه نشر جميع مواد الحملة على مجموعات واتساب، وهذا يثبت دوره في تعميم الحملة والترويج لها من دون أن يثبت أنه كتب موادها.
طريقة النشر نفسها تحتاج إلى جواب لا اسم للكاتب ولا اسم للمصدر الكاتب المعلن هو “أيوب” والمخبر “مصدر موثوق” والشاهد “مرجعية سياسية”، الشخص الذي تتناوله المادة وحده يُنشر اسمه كاملًا وبعد ذلك يقرأ القارئ أن “جميع المقالات تمثل رأي كتابها فقط” لكن من هم كتابها؟ لا نعرف.
وتقدم هذه المواد دار الفتوى كأنها غرفة عمليات، المكتب يصبح “خلية” والتعيين يصبح “مشبوهًا” والمخالف يصبح “متآمرًا” ، وفي الجهة الأخرى يظهر الشيخ أمين الكردي بطلًا تحيط به جهات مجهولة وتخشاه أسماء لا نعرفها، وتكاد الاجتماعات والانتدابات والتمديد للمفتي تجتمع كلها في رواية واحدة هدفها منع الرجل من الوصول.
من هنا جاءت المقارنة بأبي عمر وهي مقارنة في طريقة الإيحاء السياسي لا في أي فعل جرمي فلا نملك حتى اللحظة دليلًا يتيح اتهام عيتاني بانتحال صفة أو قبض مال أو ارتكاب جرم، لكن غياب الدليل الجرمي لا يمنع مساءلته عن الإيحاء بأنه يتحدث باسم السعودية وعن الحملة التي يتولى نشرها.
قضية أبو عمر كشفت استعداد بعض الشخصيات في الوسط السني لتصديق من يوحي بأن السعودية تقف خلفه. في الحالة القديمة كان الهاتف واللهجة يكفيان لنقل رغبات سعودية مزعومة. أما النسخة الإعلامية فلا تحتاج إلى ادعاء لقب أمير، تكفيها كاميرا وميكروفون ومقال في موقع إخباري وكلام واثق عمّا تريده السعودية.
العلاقة بين دار الفتوى والمملكة العربية السعودية ليست جديدة ولا تمر عبر الصالونات هي علاقة تاريخية تُدار عبر القنوات المعروفة بين مرجعية دينية ودولة، ولا تحتاج إلى أبي عمر جديد هذه المرة بزي صحافي فالمملكة تعرف عنوان دار الفتوى والدار تعرف طريق الرياض وإذا أراد أحد الطرفين مخاطبة الآخر فلن يحتاج إلى مترجم متطوع للنوايا، أبو عمر كان أميرًا بلا إمارة، فهل نحن أمام ناطق بلا وكالة؟
من فوّض زياد عيتاني أن يخبرنا عمّن ترضى السعودية وعلى من تغضب؟
وهل طلبت منه السفارة خوض معركة دار الفتوى أو أبلغته أنها تؤيد مرشحًا أو تعترض على تعيين،؟ أم أن رغبات محلية تُكتب في بيروت ثم يوضع عليها اسم السعودية لتكتسب وزنًا لا تملكه؟
دار الفتوى ليست فوق النقد، لكن النقد يحتاج إلى وثائق وأسماء.
أما استخدام اسم السعودية لمنح حملة محلية، مجهولة الكتّاب والمصادر، صفة لا تملكها فلا يخدم المملكة ولا دار الفتوى ولا الصحافة النزيهة.
إلى أن يظهر كتاب التكليف سيبقى زياد عيتاني صحافيًا له رأيه لا سفارة تمشي على قدمين.












