حمل يوم امس مؤشرًا أكثر خطورة من ارتفاع جديد في وتيرة الغارات الإسرائيلية. ففي كفررمان، استهدفت غارتان مبنى سكنيًا وسيارة تقل مسعفين، وجاء الاستهداف من دون إنذار مسبق، فيما كانت عمليات البحث والإنقاذ ورفع الأنقاض مستمرة في البلدة.
سبقت مجزرة كفررمان ساعات من القصف طالت النبطية وعربصاليم ودير الزهراني ومناطق أخرى، وأصابت منشآت مدنية، بينها مبنى تابع لوزارة المالية ومستشفى الغندور المتوقف عن العمل. وكانت المفارقة أن إسرائيل استخدمت في بعض المواقع إنذارات الإخلاء قبل القصف، ثم انتقلت في مواقع أخرى إلى غارات مباغتة، ما وضع سكان الجنوب أمام معادلة يصعب التكيف معها في ظل “هدنة مفترضة” ومفاوضات قائمة.
لا تنفصل هذه الوقائع عن سيطرة الجيش الإسرائيلي على تلة علي الطاهر، والمناقشات داخل مؤسسته العسكرية بشأن إعادة الانتشار في الجنوب وتثبيت مواقع أقرب إلى الحدود ضمن ما يسميه “الخط الرمادي”. غير أن ما يجري خارج المنطقة التي تحتلها القوات الإسرائيلية يطرح سؤالًا مختلفًا: هل تستخدم إسرائيل الغارات لتأمين انتشارها القائم والضغط في المفاوضات، أم أن امتداد النار يشير إلى مرحلة تتجاوز تثبيت الاحتلال نحو توسيع حدود الحرب نفسها؟
من النقاط المحتلة إلى الحزام المأهول
تركز النقاش خلال الأسابيع الماضية على الأراضي التي أبقت إسرائيل قواتها داخلها، وعلى تلة علي الطاهر التي تمنحها قدرة على الرصد والإشراف بالنيران على مساحة واسعة من منطقة النبطية. وقدمت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية السيطرة على هذه المواقع باعتبارها وسيلة لإبعاد الخطر عن مستوطنات الشمال، فيما تمسك لبنان بوجوب الانسحاب الكامل وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود.
بدا الخلاف في تلك المرحلة مرتبطًا أساسًا بخطوط الانتشار والترتيبات الأمنية التي يمكن التوصل إليها عبر التفاوض. غير أن خريطة الغارات الأخيرة تكشف أن الميدان لم يعد محصورًا بالمواقع التي تريد إسرائيل الاحتفاظ بها أو بالمناطق المحاذية لها. فكفررمان والنبطية وعربصاليم ودير الزهراني تقع ضمن نطاق سكاني واقتصادي حيوي، وتؤدي دورًا أساسيًا في حياة القرى المحيطة وتأمين الخدمات الصحية والإدارية لسكانها والنازحين إليها.
يعني ذلك أن الضغط لا يقع على المسلحين أو المواقع التي تقول إسرائيل إنها عسكرية وحدهم، وإنما يمتد إلى البيئة المدنية التي يُطلب منها في الوقت نفسه العودة إلى بلداتها واستئناف حياتها. ويكمن التحول الأخطر في الجمع بين طريقتين للاستهداف، بحيث تمنح إنذارات الإخلاء إسرائيل قدرة على إفراغ الأبنية وفرض نزوح متكرر، فيما تبقي الغارات التي لا تسبقها إنذارات الخوف قائمًا حتى خارج المواقع المحددة في بيانات الإخلاء.
وقف نار بلا قواعد واضحة
يتشكل تدريجيًا نطاق أوسع من المنطقة المحتلة عسكريًا، لا تسيطر عليه إسرائيل بقوات برية، لكنها تجعل الإقامة الطبيعية داخله شديدة الصعوبة بفعل الطائرات المسيّرة والغارات واحتمال الإخلاء. يحدث ذلك فيما لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار ساريًا، نظريًا، منذ إعلانه في 20 حزيران الماضي، قبل أن يُطرح إطار يقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة ملف السلاح، ووضع ترتيبات للتحقق من التنفيذ، وهو ما لم يحصل بعد.
كان يفترض أن ينقل هذا المسار الجنوب من المواجهة العسكرية إلى مرحلة سياسية وأمنية، إلا أن استمرار الغارات والاحتلال أبقى وقف النار أقرب إلى هدنة متقطعة منه إلى اتفاق قادر على حماية السكان أو فرض قواعد واضحة على الميدان. وتزعم إسرائيل أن عملياتها تستهدف منشآت تابعة لـ”حزب الله”، وتربط التصعيد بإطلاق الحزب مسيّرات نحو مواقع قواتها، لكن هذه الرواية تبدو قاصرة عن تبرير طبيعة المنشآت المدنية التي أصيبت، ولا هوية الشهداء وبينهم أطفال ومسعفون.
تكشف الأحداث أيضًا حدود الرهان اللبناني على الوساطة الأميركية وحدها. فقد طالب رئيس الجمهورية جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي بالتحرك، فيما دعا رئيس الحكومة نواف سلام إلى وقف الاعتداءات وأكد دعم عودة الأهالي، وطالب رئيس مجلس النواب نبيه بري بتدخل دولي عاجل. مع ذلك، لم تتحول هذه المواقف إلى ضغط يمنع إسرائيل من توسيع عملياتها، رغم أن الولايات المتحدة ترعى وقف النار والمسار التفاوضي وتملك تأثيرًا مباشرًا في شروطه وضمانات تنفيذه.
لا يعني التصعيد أن إسرائيل اتخذت بالضرورة قرارًا معلنًا بالعودة إلى حرب شاملة، إذ قد تكون الغارات جزءًا من محاولة رفع الضغط قبل جولة تفاوضية جديدة ودفع لبنان إلى قبول ترتيبات أمنية أوسع. غير أن مجزرة كفررمان تضع الدولة اللبنانية أمام حاجة تتجاوز بيانات الإدانة وانتظار المحادثات المقبلة. فالتفاوض تحت غارات تتوسع جغرافيًا وتزداد دمويًا يمنح إسرائيل فرصة رسم الوقائع بالنار أولًا، ثم نقلها إلى الطاولة باعتبارها حدودًا أمنية قائمة يُطلب من لبنان التكيف معها.













