أعادت التطورات التي شهدها لبنان منذ اندلاع الحرب الاسرائيلية على لبنان ترتيب حسابات القوى السياسية، وفرضت عليها مقاربات مختلفة في التعامل مع الداخل ومع الاستحقاقات التي أفرزتها المواجهة، إلا أنها وضعت حركة “أمل” و”حزب الله” أمام حسابات أكثر تعقيداً بحكم موقعهما في الجنوب وتشابك حضورهما السياسي والشعبي فيه. فالعلاقة التي نجحت طوال سنوات في استيعاب تباينات كثيرة، باتت تتحرك اليوم تحت ضغط مرحلة لم تعد فيها الخلافات مرتبطة حصراً بإدارة الملفات الداخلية، بل بطريقة التعامل مع حرب مفتوحة وتداعياتها وما يمكن أن يليها.
على امتداد عقود، لم تَسِر العلاقة بين الطرفين على خط واحد، بل مرّت بمراحل قاسية وتباينات برزت في أكثر من محطة، قبل أن تنجح القيادتان في طيّ مرحلة الخلاف وتثبيت شراكة سياسية صمدت أمام اختبارات كثيرة. ومنذ ذلك الحين، لم تختفِ التباينات تماماً، إلا أن الطرفين تمكّنا في كل مرة من إبقائها ضمن حدود لا تمسّ جوهر العلاقة ولا تدفع بها نحو مواجهة جديدة.
لكن التباينات التي اعتادت القيادتان على معالجتها بعيداً عن الشارع، بدأت اليوم تظهر بصورة مختلفة. فالمسألة لم تعد تقف عند حدود المواقف السياسية، بعدما بدأت ملامح التوتر تظهر داخل القواعد الشعبية نفسها، لتفتح بذلك باباً أكثر حساسية في العلاقة بين الطرفين.
ورغم ذلك، لا يزال المشهد السياسي بين الحليفين بعيداً عن أي تصعيد علني. إذ تؤكد مصادر مطلعة أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يريد فتح جبهة سياسية مع “حزب الله”، فيما لا يبدي “الحزب” بدوره توجهاً لنقل التباينات القائمة إلى مواجهة داخلية. وينعكس ذلك في المواقف الصادرة عن الجانبين، والتي بقيت حتى الآن ضمن حدود تمنع الخلاف من التحول إلى سجال مباشر أو المساس بالتحالف القائم. وقد جاء خطاب بري الأخير ليؤكد هذا المسار، سواء في مقاربته للخطر الإسرائيلي أو في تشديده على السلم الأهلي ودور الدولة والجيش، من دون أن يذهب في أي من هذه العناوين إلى موقع يفتح مواجهة مع “الحزب”.
لكن هذا التماسك على المستوى السياسي لا يعكس بالضرورة حقيقة الأجواء داخل القواعد الشعبية. ففي الفترة الأخيرة، تكرر الحديث عن احتكاكات وتوترات بين مناصرين للطرفين في بعض المناطق الجنوبية، فيما سارعت جهات معنية إلى وضع بعض الحوادث في إطار إشكالات فردية ونفي أي خلفية حزبية لها. ومن هنا، لا تكمن أهمية المسألة في إثبات رواية كل حادثة على حدة، بل في المناخ الذي يسمح بتكرار مثل هذه الروايات، وفي حساسية شعبية بدأت تظهر بصورة أوضح مما كانت عليه في مراحل سابقة.
ويزداد هذا الأمر أهمية لأن الاعتراضات المتداولة لا ترتبط بخلاف سياسي تقليدي بين جمهورين، بل بما يجري على الأرض. فهناك داخل جزء من البيئة القريبة من “حركة أمل” من ينظر بقلق إلى استمرار التحركات العسكرية لـ”حزب الله”، انطلاقاً من خشية أن تستجلب مزيداً من الغارات الإسرائيلية إلى بلدات دفعت أصلاً ثمناً كبيراً خلال الحرب. وفي المقابل، ينطلق جمهور “الحزب” من مقاربة مختلفة ترى أن وقف الضغط أو التراجع تحت النار لا يوفر الحماية للجنوب، ولا يمنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها.
وفي هذا السياق، تستبعد مصادر مطلعة أن يكون التململ المسجّل داخل بعض الأوساط القريبة من “حركة أمل” قد بلغ حدّ التحول إلى موقف سياسي من “حزب الله”، مؤكدة أن ما يظهر حتى الآن يبقى محصوراً في اعتراضات مرتبطة بتداعيات الوضع الميداني في الجنوب. إلا أن تكرار الحوادث المحلية وسرعة ربطها بالعلاقة بين الطرفين يكشفان عن مناخ أكثر توتراً، ويجعلان أي إشكال فردي قابلاً لأن يأخذ بعداً سياسياً يتجاوز خلفياته الفعلية.
ولعل ما جرى أخيراً يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد سارعت جهات معنية إلى نفي وجود خلفية حزبية لأحد الإشكالات التي أثير حولها الكثير من الكلام، والتأكيد أن ما حصل لا يتجاوز حادثاً فردياً. وقد تكون هذه الرواية هي الأدق بالفعل، لكن اللافت ليس الحادثة وحدها، بل السرعة التي انتشرت بها رواية أخرى تتحدث عن مواجهة بين “أمل” و”حزب الله”، الامر الذي يعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بالعلاقة على المستوى الشعبي، بحيث يكفي أي إشكال محلي لفتح باب التأويل السياسي.
ومن هنا، لا يبدو التحدي الأساسي في إدارة العلاقة بين القيادتين، بقدر ما يكمن في ضبط ارتدادات المرحلة داخل القواعد الشعبية. فبين “أمل” و”حزب الله” قنوات سياسية قادرة حتى الآن على معالجة التباينات ومنع تحولها إلى صدام علني، كما أن الطرفين يدركان كلفة أي مواجهة داخلية في ظرف بالغ الحساسية. غير أن هذه القدرة تصبح أكثر صعوبة على المستوى الشعبي، حيث تتداخل المواقف السياسية مع الخسائر الميدانية والمخاوف المرتبطة بأمن القرى ومصيرها، ما يضع القيادتين أمام تحدٍّ يتجاوز إدارة خلافاتهما إلى احتواء تداعياتها داخل بيئتهما.
ومع تصاعد الحديث عن التوتر داخل القواعد الشعبية، عاد خصوم “الثنائي” إلى طرح سيناريو الانفصال بين “أمل” و”حزب الله”، وقراءة الإشكالات الأخيرة بوصفها مؤشرات إلى اقتراب التحالف من نهايته. غير أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تضع العلاقة أمام هذا السيناريو، بقدر ما تكشف عن ضغوط جديدة تحيط بها وتفرض على الطرفين تحدياً مختلفاً، عنوانه منع التباينات الشعبية من أن تتراكم إلى الحد الذي يجعل احتواءها أكثر صعوبة.
والأهم أن حرص القيادتين على تطويق هذا التململ لا يرتبط فقط بالحفاظ على تحالف سياسي عمره سنوات، بل بإدراكهما لما قد يترتب على انتقاله من القواعد إلى مستوى المواجهة العلنية. فأي خلاف مفتوح بين “أمل” و”حزب الله” لن يبقى محصوراً داخل العلاقة بين الطرفين، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على التوازن السياسي والشعبي في الجنوب، وسيوفر لخصوم “الثنائي” مساحة أوسع للبناء عليها في لحظة شديدة الحساسية.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم المساعي المستمرة لضبط القواعد ومنع الإشكالات المحلية من اكتساب بُعد حزبي. فالتململ الذي يظهر اليوم يرتبط في جزء كبير منه بثقل الحرب وتداعياتها على القرى الجنوبية، وباختلاف النظرة إلى الكلفة التي باتت تتحملها هذه المناطق. وإذا تحولت هذه الاعتراضات المتفرقة إلى اصطفاف واضح بين الجمهورين، فلن تعود المسألة مجرد خلاف على كيفية إدارة المرحلة، بل قد تصبح عاملاً جديداً في إعادة رسم المشهد السياسي داخل الجنوب نفسه. ولهذا يبدو منع الوصول إلى هذه النقطة مصلحة مشتركة للطرفين، قبل أن يكون مجرد محاولة للحفاظ على صورة التحالف في العلن.













