بعد”علي الطاهر”… هل قرأت إسرائيل صمت إيران كضوء أخضر لتوسيع الحرب جنوباً؟

beirut News14 سبتمبر 2026
بعد”علي الطاهر”… هل قرأت إسرائيل صمت إيران كضوء أخضر لتوسيع الحرب جنوباً؟

قد لا يكون تفجير المنشأة العسكرية تحت مرتفعات”علي الطاهر”خاتمة المعركة، بل بداية مرحلة جديدة في الجنوب. فالمشكلة لا تقتصر على ما دمرته إسرائيل داخل التلة، وإنما على الاستنتاج الذي قد تبنيه من عدم صدور رد إيراني مباشر بعد العملية: أن طهران لم تعد قادرة، أو ليست مستعدة، للدفاع عن الخطوط الحمراء التي تعلنها.

قبل التفجير بأسبوع، نقلت وكالة “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين مطلعين أن إيران أبلغت اميركا، عبر رسالة قيل إنها نُقلت بواسطة عُمان، بأن أي هجوم إسرائيلي واسع على علي الطاهر سيقابل برد إيراني كبير. لكن الرواية بقيت موضع خلاف؛ إذ وصفها مسؤول في البيت الأبيض بأنها غير دقيقة، ولم تؤكدها طهران رسمياً، كما بقي وجود ضباط من الحرس الثوري داخل الموقع موضع معلومات متعارضة.

وفي 10 أيلول، أعلنت إسرائيل تدمير شبكة تحت الأرض يتجاوز طولها كيلومترين، قالت إنها تضم مركز قيادة تابعاً لوحدة بدر في حزب الله ومستودعات للصواريخ والمسيّرات والأسلحة.

ولم يقدم نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس العملية باعتبارها ضربة عابرة، بل أعلنا أنها استكملت ترسيخ “منطقة أمنية”، ونسبا التلة الى انها موقع ايراني في ارض غير ايرانية، وأن القوات الإسرائيلية ستبقى لمنع حزب الله من العودة وإعادة بناء قدراته.

هكذا، نفذت إسرائيل ما قيل إن طهران حذرت منه، ثم أعلنت تثبيت نتائجه على الأرض. وحتى إذا لم يكن استفزاز إيران هو الهدف الوحيد، فقد تحولت العملية عملياً إلى اختبار لصدقية الردع الإيراني.

الخطر يبدأ من الطريقة التي قد تقرأ بها إسرائيل غياب الرد. ففي حسابات الردع، لا يكفي أن يمتلك الطرف المقابل القدرة على الرد؛ يجب أن يقتنع الخصم بأنه مستعد لاستخدامها. وإذا مرّ تفجير منشأة ذات قيمة عسكرية ورمزية، بعد تحذير منسوب إلى إيران، من دون ثمن مرتبط مباشرة بالعملية، فقد تعتبر تل أبيب أن سقف حركتها في لبنان ارتفع.

هذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستبدأ اجتياحاً واسعاً خلال أيام. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو توسيع سياسة القضم المتدرج: تفجير منشآت إضافية، اغتيال كوادر، استهداف طرق الإمداد، إنشاء تحصينات جديدة، وتثبيت السيطرة على المرتفعات المشرفة على النبطية وإقليم التفاح والريحان.

كانت إسرائيل قد أعلنت أن هدف منطقتها الأمنية هو السيطرة حتى نهر الليطاني، لكن علي الطاهر تقع شماله. وبالتالي، فإن تثبيت الوجود العسكري فيها قد يعني أن حدود المنطقة العازلة ليست نهائية، وأن مفهوم “الأمن” الإسرائيلي قابل للتمدد كلما غاب الردع أو تعطلت التسوية.

ويعزز تأجيل محادثات روما التي كانت مقررة بين لبنان وإسرائيل أُرجئت إلى تشرين الأول هذا الاحتمال.

ورغم استمرار اتصالات دبلوماسية في واشنطن، فإن التأجيل يزيل، ولو مؤقتاً، إحدى أدوات الضغط التي كان يمكن أن تربط تسليم المواقع إلى الجيش اللبناني بانسحاب إسرائيلي متزامن.

وفي الوقت نفسه، تستمر الوقائع الميدانية في التقدم على المسار السياسي. وذكرت وكالة “أسوشيتد برس” أن سكان المنصوري باتوا يتجمعون من مسافة لمشاهدة المسيّرات الإسرائيلية وهي تلقي متفجرات لتنفيذ عمليات هدم طالت أيضاً المدرسة الرسمية، فيما ما زال أكثر من 300 ألف لبناني نازحين بعد الهدنة.

هذه العمليات لا تهدف فقط الى ملاحقة عناصر مسلحة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والبشرية للمنطقة المحتلة، وجعل العودة إليها أكثر صعوبة حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية.

عدم الرد الإيراني المباشر لا يعني، في المقابل، أن طهران توقفت عن استخدام القوة. ففي الأيام المحيطة بتفجير علي الطاهر، تصاعدت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية حول مضيق هرمز، وتعرضت سفن لهجمات متبادلة، بينما حقق الحوثيون تقدماً مهماً على ساحل البحر الأحمر.

لكن ما يهم إسرائيل ليس فقط ما إذا كانت إيران ترد في مكان آخر، بل ما إذا كان تحركها في لبنان يفرض عليها ثمناً. فالرد في هرمز أو اليمن قد يضغط على الولايات المتحدة ودول الخليج وأسواق الطاقة، لكنه لا يعيد تلقائياً بناء الردع على الجبهة اللبنانية. ولهذا قد تعتبر إسرائيل أن إيران اختارت حماية أوراقها الأوسع على حساب موقع حزب الله في الجنوب.

أمام هذا الواقع، يجد حزب الله نفسه في معادلة شديدة الصعوبة. إذا رد بقوة، يمنح إسرائيل ذريعة لتوسيع الحرب واستكمال التقدم شمالاً. وإذا واصل الامتناع عن الرد النوعي، فقد تتحول خسارة علي الطاهر إلى نموذج يتكرر في مواقع أخرى. أما الرد المحدود، كاستخدام المسيّرات ضد القوات الإسرائيلية، فقد يحافظ على الاشتباك لكنه لا يوقف تغيير الخريطة.

وتجد الدولة اللبنانية نفسها في مأزق مماثل، فهي مطالبة بنزع سلاح حزب الله، لكنها لا تملك القدرة على فرض ذلك بالقوة من دون مخاطر داخلية. وفي الوقت نفسه، لا تحصل على ضمان إسرائيلي واضح بالانسحاب ووقف الهدم.

وبذلك تتحول المعادلة من “انتشار الجيش مقابل الانسحاب” إلى بقاء إسرائيلي مفتوح إلى حين تنفيذ شرط قد يكون متعذراً.

ولا يمكن إغفال العامل الانتخابي الإسرائيلي. فنتنياهو يتجه إلى انتخابات 27 تشرين الأول وسط استطلاعات لا تضمن بقاء ائتلافه، وتحت ضغط سكان الشمال المطالبين بإنهاء تهديد حزب الله.

ويوفر تفجير علي الطاهر صورة إنجاز واضحة: منشأة كبيرة دُمرت، وموقع استراتيجي سقط، ومنطقة أمنية توسعت. الانتخابات ليست السبب الوحيد للعملية، لكنها تضاعف قيمة أي تقدم عسكري وتقلل الرغبة في التراجع عنه.

اذا التصعيد مسألة وقت إذا اجتمعت ثلاثة تطورات: استمرار غياب الرد الإيراني المرتبط مباشرة بالجبهة اللبنانية، وتعطل المسار التفاوضي، وانتقال إسرائيل من تثبيت علي الطاهر إلى ضرب الطرق والمرتفعات المؤدية نحو إقليم التفاح والريحان والنبطية.

فالخلاصة اذا في تفجير علي الطاهر ليس الانفجار نفسه، بل احتمال تحوله إلى سابقة. فإذا قرأت إسرائيل عدم رد إيران باعتباره عجزاً، فقد تنتقل من تفجير منشأة إلى تفكيك منطقة كاملة، ومن تثبيت موقع إلى توسيع الاحتلال.