إلى ذلك، كانت القدس آنذاك مقسمة أيضاً، إذ كانت القدس الشرقية تحت الحكم الأردني، فيما كانت القدس الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية.
ماذا حصل عام 1967؟
هنا وقعت نقطة التحول الكبرى، إذ أنه خلال حرب حزيران 1967، سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية والقدس الشرقية بعدما كانت المنطقتان تحت الحكم الأردني.
ومنذ ذلك الحين، تعتبر الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية الضفة الغربية والقدس الشرقية أراضي محتلة، فيما تستخدم إسرائيل أيضاً تسميتي “يهودا والسامرة” للإشارة إلى الضفة.
ومع مرور السنوات، أقامت إسرائيل مستوطنات في أنحاء مختلفة من الضفة. وفي رأي استشاري أصدرته عام 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة والقدس الشرقية والنظام المرتبط بها أُنشئت ويجري الحفاظ عليها بما يخالف القانون الدولي. وترفض إسرائيل أجزاء أساسية من هذا الموقف القانوني وتستند، من بين أمور أخرى، إلى اعتبارات أمنية وتاريخية وقانونية مختلفة.
ما قصة مناطق A وB وC؟
هذه من أهم الحقائق لفهم أخبار الضفة اليوم، فبعد اتفاقات أوسلو في التسعينيات، لم تتحول الضفة إلى منطقة فلسطينية واحدة متصلة تخضع لإدارة واحدة، وإنما قُسمت إلى مناطق ذات ترتيبات إدارية وأمنية مختلفة.
المنطقة “A” تضم أبرز المراكز السكانية الفلسطينية وتخضع للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية وفق ترتيبات أوسلو، بينما تخضع المنطقة “B” للإدارة المدنية الفلسطينية مع ترتيبات أمنية مشتركة، في حين بقيت المنطقة “C” تحت السيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية.
وبحلول عام 2000، كانت المنطقة “A” تمثل نحو 18.2 في المئة من مساحة الضفة، و”B” نحو 21.8 في المئة، بينما شكلت “C” نحو 60 في المئة.
وهذا التقسيم الذي كان مرتبطاً أصلاً بمرحلة انتقالية أصبح من أبرز مفاتيح فهم الضفة حتى اليوم.
لماذا المنطقة “C” مهمة جداً؟
هذه المنطقة تشكل نحو 60 في المئة من مساحة الضفة، وتضم معظم المستوطنات الإسرائيلية ومساحات واسعة من الأراضي المفتوحة والموارد والطرق.
ولهذا، فإن أي حديث عن التوسع الاستيطاني أو السيطرة على الأراضي أو إقامة بنى تحتية جديدة في الضفة يرتبط غالباً بهذه المنطقة.
وفي رأيها الاستشاري عام 2024، قالت محكمة العدل الدولية إن السياسات الإسرائيلية، بما فيها توسيع المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها، عززت السيطرة الإسرائيلية، ولا سيما على المنطقة “C” والقدس الشرقية.
الأردن تخلى عن مطالبته بالضفة
رغم أن الضفة كانت مرتبطة بالمملكة الأردنية لعقود، أعلن الملك حسين عام 1988 فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، في خطوة مهدت بصورة أكبر لتكريس منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً سياسياً للفلسطينيين.
وبعد سنوات قليلة، جاءت اتفاقات أوسلو، ثم تأسست السلطة الفلسطينية التي بدأت إدارة أجزاء من الضفة.
لكن الوضع النهائي للضفة لم يُحسم، وهنا تكمن المفارقة التاريخية: الترتيبات التي كان يفترض أن تكون انتقالية خلال التسعينيات استمرت لعقود، وبقيت الضفة مقسمة بين مناطق A وB وC، فيما استمر النزاع على الحدود والمستوطنات والقدس والسيادة والأمن.
ولهذا، عندما نقرأ اليوم خبراً عن اقتحام رام الله، أو عملية قرب مستوطنة، أو هدم في المنطقة “C”، أو مشروع استيطاني جديد، فنحن أمام أحداث مرتبطة بجغرافيا سياسية تشكلت طبقاتها الأساسية منذ حربي 1948 و1967، ثم أعادت اتفاقات أوسلو رسم إدارتها في التسعينيات.
وبعد نحو ستة عقود على حرب 1967، تبقى الضفة الغربية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث تتداخل على مساحة لا تتجاوز نحو 5900 كيلومتر مربع المدن الفلسطينية والمستوطنات والطرق والحواجز ومناطق السيطرة المختلفة.
وهكذا، فإن التصعيد الذي تشهده الضفة اليوم ليس حدثاً منفصلاً عن الماضي، بل فصل جديد من قصة بدأت حدودها الحالية تتشكل قبل عقود، ولا تزال قضايا الأرض والسيادة والأمن والمستوطنات ومستقبل الدولة الفلسطينية في قلبها حتى الآن.













