نشرت مؤسسة ” الدفاع عن الديمقراطيات ” الأميركية (FDD) تقريراً جديداً اعتبرت فيه أن لبنان، عبر توقيعه “الاتفاق الإطاري الثلاثي” مع إسرائيل من دون نزع سلاح “حزب الله”، يسير وفق ما وصفته بـ”نموذج السلام الوهمي”، مستحضرةً تجربة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات واتفاق أوسلو.
ويرى التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” أن هذا النموذج يقوم على توقيع اتفاق أولي بهدف كسب دعم واشنطن، من دون تنفيذ الالتزامات الأساسية المرتبطة به. وبحسب الكاتب، فإن بيروت تتعامل مع الاتفاق على أساس أن إسرائيل لن تكون مستعدة في النهاية لتعايش فعلي، فيما لا تنفذ الدولة اللبنانية التزامها بنزع سلاح الجماعات المسلحة خارج سلطتها.
ويزعم التقرير أن النتيجة هي دورة متكررة، إذ يبقى “حزب الله” مسلحاً، فترد إسرائيل عسكرياً على عملياته، ثم تحمّل بيروت إسرائيل مسؤولية التصعيد وتطالب المجتمع الدولي بالضغط عليها.
ويقارن التقرير هذا المسار بتجربة ياسر عرفات بعد اتفاق أوسلو، معتبراً أنه استخدم مسار السلام للحصول على شرعية دولية ومساعدات مالية، مع الإبقاء على هامش للمناورة وعدم الدخول في مواجهة حاسمة مع الفصائل المسلحة، تحت ذريعة تجنب اندلاع حرب أهلية.
وبحسب التقرير، تطبق بيروت اليوم حسابات مشابهة في التعامل مع “الاتفاق الإطاري الثلاثي”. فعندما تطالب واشنطن لبنان بتنفيذ تعهده بنزع سلاح “حزب الله”، باعتباره شرطاً للانسحاب الإسرائيلي وفق الاتفاق، يقول المسؤولون اللبنانيون إن الجيش لا يمتلك القدرات اللازمة ويحتاج إلى مزيد من الدعم العسكري الخارجي.
لكن التقرير يشير إلى ما يراه “تناقضاً”، فعندما يحصل الجيش على الدعم، يبرز موقف آخر مفاده أن استخدام القوة لنزع سلاح الحزب قد يؤدي إلى حرب أهلية.
ويطرح الكاتب تساؤلاً وهو على النحو التالي: إذا كان استخدام القوة ضد “حزب الله” غير مطروح أساساً، فما الهدف من المطالبة المستمرة بتعزيز قدرات الجيش إذا كان الحوار الداخلي هو الوسيلة الوحيدة التي تنوي بيروت اعتمادها لمعالجة ملف السلاح؟
ويعتبر التقرير أن الولايات المتحدة واجهت مراراً حالة من الإحباط بسبب ما يصفه بتباطؤ لبنان في تنفيذ التزاماته وتحميل إسرائيل المسؤولية، مشيراً إلى أن واشنطن لجأت تاريخياً إلى ترك إدارة الملف اللبناني لقوى إقليمية، مستشهداً بالنفوذ السوري بعد عام 1991، ثم بتنامي النفوذ الإيراني بعد عام 2008.
وبحسب التقرير، أتاح اغتيال إسرائيل الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله عام 2024 فرصة للبنان لاستعادة سيادة الدولة وتقليص نفوذ إيران والحزب، فيما سارعت واشنطن إلى دعم بيروت في هذا الاتجاه.
ويرى الكاتب أن الولايات المتحدة أتاحت للبنان فرصة استثنائية لنزع سلاح “حزب الله” بعدما أصبح أضعف عسكرياً، وإعادة حصر القوة المسلحة بيد الدولة، لكنه يتهم السلطات اللبنانية بالاكتفاء بالمواقف السياسية من دون اتخاذ إجراءات حاسمة.
ويحمّل التقرير هذا الجمود مسؤولية استمرار العمليات الإسرائيلية ضد البنية العسكرية لـ”حزب الله”، إضافةً إلى بقاء منطقة أمنية خالية إلى حد كبير من سكانها، ويقول إنها تحول دون عودة نحو نصف مليون لبناني إلى قراهم.
ووفق قراءة التقرير، فإن بقاء البنية العسكرية لـ”حزب الله” يجعل الاتفاق مهدداً منذ البداية، إذ إن أي هجوم للحزب على إسرائيل يؤدي إلى رد عسكري إسرائيلي.
وهنا، بحسب التقرير، تبدأ المرحلة الثانية مما يسميه “نموذج عرفات”، إذ تنتقل بيروت إلى إدانة العمليات الإسرائيلية في المحافل الدولية، بينما تعتبر المؤسسة أن التركيز يتحول من العملية التي سبقت الرد الإسرائيلي إلى الرد نفسه.
كذلك، يرى الكاتب أن هذه المقاربة تؤدي داخلياً إلى جمع قوى سياسية متباينة في مواجهة إسرائيل وإبعاد الاهتمام مؤقتاً عن أزمات الدولة الاقتصادية والسياسية، بينما تهدف خارجياً إلى نقل الضغط الدبلوماسي نحو إسرائيل.
أيضاً، يعتبر التقرير أن الخشية الأميركية من توسع المواجهة تدفع واشنطن لاحقاً إلى مطالبة إسرائيل بضبط النفس، بدلاً من ممارسة الضغط حصراً على الدولة اللبنانية لضبط أراضيها.
وفي ختام التقرير، يدعو الكاتب واشنطن إلى تغيير مقاربتها تجاه لبنان، وربط الاعتراف والدعم الاقتصادي الدولي بخطوات لبنانية “قابلة للقياس والتحقق” تؤكد بسط سلطة الدولة وسيادتها.
كذلك، يقترح التقرير وضع مسار تصاعدي للعقوبات يبدأ بـ”حزب الله”، ثم يشمل حلفاءه، وقد يصل في مرحلة لاحقة إلى الدولة اللبنانية نفسها، انطلاقاً من موقفه بأن بيروت يجب أن تتحمل مسؤولية استمرار النشاط العسكري للحزب حتى لو كانت الدولة ضعيفة.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار الوضع الحالي، من وجهة نظر الكاتب، سيُبقي لبنان داخل دائرة متكررة من التعهدات غير المنفذة والتصعيد العسكري، ما يرفع مخاطر تجدد الحروب واستمرار الأزمات.












