نشرت صحيفة The Times of Israel “تايمز أوف إسرائيل” تقريراً جديداً تناول المسار الذي قاد حركة “حماس” إلى السيطرة على قطاع غزة، متوقفاً عند جذور الحركة وشبكتها الاجتماعية، وصولاً إلى انتخابات عام 2006 والصدام العسكري مع حركة “فتح” عام 2007.
وبحسب التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24″، لم تظهر “حماس” عام 1987 من فراغ، بل استفادت من بنية اجتماعية ودينية كانت قائمة منذ سنوات عبر شبكة “المجمع الإسلامي”، التي أنشأت مدارس وعيادات ومساجد ولجاناً خيرية أصبحت لاحقاً جزءاً من البنية المؤسساتية للحركة.
ويشير التقرير إلى أن الإدارة العسكرية الإسرائيلية في غزة تعاملت خلال تلك المرحلة بتساهل مع التيار الإسلامي، في إطار سياسة هدفت إلى إيجاد ثقل موازن لمنظمة التحرير الفلسطينية والتيارات الشيوعية.
ويستند التقرير إلى تصريحات منسوبة إلى إسحاق سيغيف، وهو ضابط إسرائيلي شغل منصب الحاكم العسكري لقطاع غزة في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وقال إنه أقام علاقة شخصية مع الشيخ أحمد ياسين وساعد في تأمين علاجه داخل إسرائيل، كما تحدث لاحقاً عن مساعدة إسرائيلية قُدمت إلى حركات إسلامية لمواجهة نفوذ منظمة التحرير والفصائل اليسارية.
كذلك، يتطرق التقرير إلى عام 1986، مشيراً إلى دور الجنرال الإسرائيلي شالوم هراري، الذي شغل أيضاً مناصب استخباراتية مرتبطة بالأراضي الفلسطينية، في التعامل مع صدامات بين طلاب محسوبين على “المجمع الإسلامي” وآخرين موالين لـ”فتح” في جامعة بيرزيت.
وعندما تأسست “حماس” مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، كانت تمتلك، وفق التقرير، قاعدة اجتماعية ومؤسساتية سبق أن تشكلت على مدى سنوات.
اتفاق أوسلو وتحوّل جديد
شكّلت اتفاقات أوسلو عام 1993 وإنشاء السلطة الفلسطينية مرحلة جديدة، فـ”حماس” رفضت الاتفاق ولم تنخرط في مؤسسات السلطة الجديدة، بينما تحملت حركة “فتح” بقيادة ياسر عرفات، ولاحقاً محمود عباس، أعباء إدارة السلطة وما رافقها من انتقادات تتعلق بالمحسوبية والفساد والتنسيق الأمني مع إسرائيل.
وفي المقابل، واصلت “حماس” تشغيل شبكاتها الاجتماعية والخيرية خارج مؤسسات السلطة، ما سمح لها، وفق التقرير، بتعزيز حضورها الشعبي من دون تحمل الكلفة السياسية للاتفاقات والتفاهمات التي التزمت بها السلطة الفلسطينية.
انسحاب إسرائيل من لبنان
ويتوقف التقرير عند محطة يعتبرها مؤثرة في الخطاب السياسي لـ”حماس”، وهي الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار 2000.
ففي أوساط عربية وفلسطينية، تم النظر الى الانسحاب باعتباره نتيجة لعمليات “حزب الله” ضد إسرائيل، وقد استفادت “حماس” من هذه السابقة للدفع بروايتها القائلة إن العمل المسلح قادر على تحقيق انسحاب إسرائيلي من دون مفاوضات.
وجاء ذلك قبل أسابيع من قمة كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود باراك في تموز 2000، في وقت كانت فيه القيادة الفلسطينية تواجه نقاشاً داخلياً بشأن جدوى المفاوضات مقارنة بخيار المواجهة.
وينقل التقرير عن المفاوض الأميركي السابق دينيس روس رؤيته بأن “حماس” عملت في مراحل مختلفة على تقويض فرص تحقيق اختراقات فلسطينية – إسرائيلية، واضعاً هذه المرحلة ضمن هذا السياق.
غزة عام 2005
وجاءت المحطة التالية عام 2005، عندما نفذت حكومة أرييل شارون خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، وأخلت المستوطنات وسحبت القوات الإسرائيلية من داخل القطاع.
وبحسب التقرير، استثمرت “حماس” هذا الانسحاب سياسياً، وقدّمته باعتباره دليلاً إضافياً على نجاح المقاومة في دفع إسرائيل إلى الانسحاب، على غرار ما حدث في جنوب لبنان قبل خمس سنوات.
في المقابل، واجهت السلطة الفلسطينية مشكلة في تسويق نموذجها القائم على المفاوضات والتنسيق السياسي، لأن الانسحاب الإسرائيلي تم بصورة أحادية ومن دون اتفاق نهائي معها.
انتخابات 2006..
وفي كانون الثاني 2006، حققت “حماس” فوزاً في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وحصلت على نحو 44% من الأصوات الشعبية، لكن النظام الانتخابي منحها غالبية واضحة في المجلس.
ويرى التقرير أن التصويت لم يكن بالضرورة تفويضاً شعبياً للمواجهة المسلحة مع إسرائيل، مشيراً إلى أن جزءاً من الناخبين صوّت لـ”حماس” احتجاجاً على أداء “فتح” والفساد والمحسوبية، وليس بالضرورة انطلاقاً من تبنٍ كامل لمواقف الحركة الأيديولوجية.
وعقب الانتخابات، واجهت الحكومة التي قادتها “حماس” عزلة مالية ودبلوماسية من إسرائيل وأطراف دولية، فيما نشأ واقع سياسي معقد: حكومة ومجلس تشريعي تقودهما “حماس”، مقابل رئاسة وأجهزة أمنية بقيت إلى حد كبير تحت سيطرة “فتح”.
وهكذا، منحت انتخابات 2006 “حماس” شرعية انتخابية، لكنها لم تمنحها السيطرة الفعلية الكاملة على غزة.
الحسم جاء بالسلاح
التحول الحاسم وقع في حزيران 2007، عندما اندلعت مواجهات مسلحة بين “حماس” و”فتح” في قطاع غزة.
وخلال أيام، تحركت “القوة التنفيذية” التابعة لـ”حماس” ومجموعات متحالفة معها ضد الأجهزة الأمنية الموالية لـ”فتح”، وسيطرت على مقار السلطة ومخازن أسلحة ومنشآت إدارية وأمنية.
ويشير التقرير إلى أن أجهزة “فتح” في غزة كانت تعاني انقسامات داخلية ومشكلات تنظيمية، بينما بنت “حماس” خلال مرحلة الصراع على السلطة قوة مسلحة أكثر تماسكاً وولاءً لقيادتها.
ومع انتهاء المواجهات، أصبحت غزة تحت سيطرة “حماس”، بينما بقيت الضفة الغربية تحت إدارة السلطة الفلسطينية التي تقودها “فتح”، ليتكرس انقسام سياسي وجغرافي فلسطيني استمر لسنوات طويلة.
ويخلص التقرير إلى أن اختزال قصة سيطرة “حماس” على غزة بفوزها في انتخابات 2006 يتجاهل مساراً أطول وأكثر تعقيداً، موضحاً أن الحركة بنت نفوذها عبر شبكة اجتماعية ودينية بدأت قبل تأسيسها الرسمي، ثم استفادت من تراجع شعبية “فتح” ومن الانسحابات الإسرائيلية التي استخدمتها لتعزيز خطابها السياسي.
أما السيطرة الفعلية على غزة، فلم تتحقق عبر صناديق الاقتراع، بل جاءت في نهاية المطاف عبر المواجهة المسلحة مع “فتح” في حزيران 2007، وفق ما قال التقرير.












