
ليس كل من أكثر الطرق بنّاءً، ولا كل من أحدث ضجيجًا في الخشب صار نجّارًا. في الغابة مخلوق ظريف اسمه نقّار الخشب، مهمته أن ينقر الجذوع: ضربة هنا، وثقب هناك، وصوت يصل إلى آخر الغابة.
ليست المشكلة في النقر فتلك صنعته، المشكلة أن يطول به الأمر حتى يتوهم أن الثقوب عمارة، وأن إضعاف الجذع إصلاح، وأن كثرة الفراغات دليل على جودة البناء.
تذكرت هذه الشخصية وأنا أقرأ مقالًا عن الشرعية والقيادة والمرجعية الدينية، استدعى كاتبه القرآن والحديث والقانون والتاريخ والدولة العثمانية، ثم أخذ ينقر بها جميعًا بمنقار واحد، حتى كاد القارئ ينسى السؤال البسيط: ماذا بنى المقال بعد كل هذا النقر؟
فالناقد الجاد يكشف الخلل ويشرح سببه ويقترح علاجه.
(أما فقه الثقوب) فقاعدته أبسط: انقر في الموجود، ثم اترك القارئ يتخيل أن سقوطه سيقيم البديل.
يبدأ المقال من مسؤول سياسي أو مرجع ديني فقد شرعيته القانونية والشعبية ثم تمسك بموقعه. وهكذا انتهى البحث قبل أن يبدأ: فقد الرجل شرعيته! من قال؟ وكيف ثبت؟ وأي شرعية يقصد الكاتب؟
فالشرعية القانونية شيء، والشعبية شيء آخر، والثقة العامة شيء ثالث، والمشروعية الأخلاقية شيء رابع.
لكنها عند صاحبنا تدخل الخلاط نفسه وتخرج باسم واحد: الشرعية.
قد يكون صاحب منصب غير محبوب وتبقى ولايته قانونية، وقد يكون محبوبًا جدًا ولا يملك أي صفة.
لكن هذه التفاصيل ثقيلة على المنقار. لذلك تتحول محبة الشعب إلى مادة قانونية، ويبقى السؤال: من يقيسها؟ هيئة انتخابية؟ استطلاع رأي؟ أم لجنة لقياس نبض القلوب؟
ثم يُستدعى حديث النبي ﷺ: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم… وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم)، ويُبنى عليه حكم في سوء الإدارة وسقوط المشروعية، غير أن تتمة الحديث أزعجت كاتب المقال على ما يبدو فقرر حذفها، وللأمانة نورد ما حذف: فقد سأل الصحابة: أفلا ننابذهم؟، فجاء الجواب بالنهي، وفي تمام الحديث: فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة .
فالحديث نفسه الذي زَجَّ به صَاحب المقال لإثبات أن البغض الشعبي يُسقط الولاية يفرّق بين بغض الوالي وسوء عمله وبين زوال ولايته.
وهنا يبلغ الانتقاء درجة مدهشة! استدعى الحديث شاهدًا، أخذ منه الجملة التي يريدها، ثم صرفه من قاعة المحكمة قبل أن يكمل شهادته، ولو منحه دقيقة إضافية لأفسد عليه القضية.
ثم تُستدعى الآيات: نهيٌ عن طاعة المفسدين وأهل الهوى. الآيات حق، لكن السؤال: هل تدل على النتيجة التي يؤسس لها صاحب الطرح؟ فالانتقال من تحريم الطاعة في المعصية إلى إسقاط ولاية صاحب منصب ديني لأن الناس لم يعودوا يحبونه يحتاج إلى دليل آخر.
ليس الإشكال في الاحتكام إلى القرآن والسنّة، بل الطامة أن نأخذ من النص الشرعي ما يوافق النتيجة التي نريدها، ثم نحوله بضربة منقار واحدة إلى مادة شرعية وقانونية مفصّلة على المقاس، لمجرد أن الحكم يوافق ما يريده صاحب المنقار.
وهنا نفهم ضرورة العلم بأصول الفقه: كي لا تتحول النصوص إلى صندوق اقتباسات لخدمة خاتمة كُتبت قبل المقدمة.
ثم يساوي المقال بين القائد السياسي و المرجع الديني ، ويجعل كليهما وكيلًا عن الأمة! لكن أي مرجع ديني؟ العالم؟ المفتي المحلي؟ أم مفتي الجمهورية، وهو منصب رسمي تنظمه نصوص محددة؟
العالم لا يصبح عالمًا بالاقتراع، ولا تسقط أهليته بانخفاض شعبيته. أما المنصب الرسمي فتحدده القواعد التي أنشأته. إلا أن المقال اختصر ذلك بكلمتين: إرادة الأمة .
عبارة فخمة، لكن القانون أقل شاعرية. من يمثل الأمة؟ ما الهيئة الناخبة؟ ما النصاب؟ ومن يعلن أن محبتها زالت؟ فالحقوق لا تُنشأ بالاستعارات، والمناصب لا تُشغر ببلاغة العبارات.
ثم نصل إلى المبادئ القانونية والدستورية ، فننتظر مادة قانونية أو حكمًا قضائيًا أو نصًا منظمًا. لكن القانون يحضر في العنوان ويعتذر عن حضور بقية المقال .
وفي أصل المسألة نزاع قانوني قائم، أي إن من يريد الاحتكام إلى القانون عليه أن يفعل شيئًا بسيطاً وليس ببالغ التعقيد: ينتظر القانون، إن تقرير المقرر ليس حكمًا، والمقال الصحافي ليس حكمًا، والخصومة ليست حكمًا.
ويبقى الطريف أن المقال الذي يعلن احترام القضاء يكاد يصدر الحكم بنفسه، ثم يطلب من القضاء أن يلحق به.
أما الذروة فحين تدخل الحوكمة الرشيدة ، فيُستدعى الإعدام والسجن والنفي، ويُذكر فيض الله أفندي مثالًا على المحاسبة.
وهنا من حقنا أن نتوقف عند الألفاظ، لا عند النيات: منذ متى كان القتل والتنكيل فصلًا في دليل الحوكمة؟
فيض الله أفندي لم تنته قضيته بحكم من محكمة إدارية، بل بالعنف والقتل والتنكيل.
ثم بعد هذا كله يقول الكاتب: يُفضّل التغيير السلمي عبر المؤسسات القضائية؛ يُفضّل؟
بعد الإعدام والقتل يصبح القضاء مجرد خيار مفضّل؟ كان الأجدر أن يقال إن الخلاف لا يُحسم إلا بالقانون، لا أن توضع المقصلة إلى جانب المحكمة ثم يقال إن المحكمة ألطف.
ثم تظهر الإنتاجية شرطًا في استمرار المرجعية، فننتقل فجأة من كتب الأحكام السلطانية إلى قسم الموارد البشرية.
كيف تقاس إنتاجية المفتي؟ بعدد الفتاوى؟ البيانات؟ الوفود؟ ساعات العمل؟ أم بعدد الهاشتاغات والترندات على السوشال ميديا؟ أم أن للمرجعية الدينية KPI سنويًا، ولم يُعمَّم علينا نموذج التقييم بعد؟
ولا تكتمل المفارقة إلا عند (الطموح للمنصب) فاسم صاحب هذا التنظير متداول لخلافة المفتي، مع كلام عن السن ومدى انطباق الشروط عليه والحاجة إلى مخرج قانوني يفتح الطريق.
لا نحاكم النيات ولا نعترض على حق أحد في الطموح. لكن المعيار واحد: إذا كان القانون صالحًا فليطبق على الجميع، وإذا كان يحتاج إلى تعديل فليعدل للمصلحة العامة.
أما أن يصبح التشدد في النص فضيلة حين يخرج خصمًا من المقعد، ثم تصير المرونة مصلحة عامة حين يضيق النص على طامح جديد، فنحن لم نعد في فقه المؤسسات بل في فن الخياطة.
فالفرق كبير بين تعديل القانون للمصلحة العامة، وبين أخذ مقاس المرشح ثم تفصيل القانون على كتفيه.
والزهد في الكرسي فضيلة جميلة، لكنه يكون أكثر إقناعًا حين يمارسه الواقف أمام الكرسي أيضًا، لا الجالس عليه وحده.
المشكلة ليست في نقد دار الفتوى ولا في نقد مفتي الجمهورية. لا مؤسسة فوق النقد، ولا صاحب موقع معصوم.
المشكلة في منهج يريد أولًا إحداث الثقوب، ثم يبحث لكل ثقب عن آية أو حديث أو حادثة من السلطنة عثمانية.
فتصبح الشعبية شرعية، والكراهية عزلًا، والثورة الدموية حوكمة، والتاريخ اجتهادًا قضائيًا.
ثم يقف نقّار الخشب أمام الجذع الذي أمضى نهاره يثقبه، مستغربًا أن يكون قد ضعف.
الإصلاح ليس أن تثقب المؤسسة حتى تسقط، ثم تقول إن سقوطها أثبت فسادها.
الإصلاح أن تعرف ماذا تريد أن تبني، وبأي قانون، وبأي اختصاص، وبأي ضمانة.
أما كثرة النقر فليست دليلًا على عمق الفكرة، ويبقى السؤال: بعد كل هذه الثقوب… أين البناء؟









