
رحم الله أحمد شوقي إذ قال:
بَرَزَ الثَّعْلَبُ يَوْمًا فِي شِعَارِ الْوَاعِظِينَا .. فهمى فِي الْأَرْضِ يَهْذِي
وَيَسُبُّ الْمَاكِرِينَا
لعل أمير الشعراء لم يكن يتخيّل، وهو يرسل ثعلبه في الأرض واعظاً، أن الحكاية ستغادر كتب المحفوظات يوماً إلى الاستديوهات؛ فيجلس الثعلب أمام الكاميرا، وتضاء من حوله الأنوار، ثم يأخذ في شرح أصول النزاهة، ومواصفات القيادة، وفضائل تداول السلطة، وما ينبغي أن يكون عليه من يتصدر الشأن الديني.
وهكذا أطلّ علينا صاحبنا في مقابلة مثقلة بالمواعظ، يفيض حديثه غيرةً مستحدثةً على المؤسسات، وتكاد كلماته تقطر أسفاً، ويُبدي من الحرص على تداول السلطة واحترام القوانين ما كدنا معه نخشى على عينيه أن تبيضا من الحزن، وهو كظيم؛ لولا أن سيرته تطمئننا إلى أن هذا الأسى طارئ، وأن الصفحة التي ابيضّت حقاً إنما هي صفحة ذاكرته، حتى لم يعد يرى فيها شيئاً من ماضيه.
واستمعنا إليه يرسم صورة الرجل الذي ينبغي أن يتولى الإفتاء: قوياً، سيادياً، قادراً على حمل الموقع وصون المؤسسة. ولما كان صاحبنا قد سبق أن أعلن في مقابلة أخرى ترشحه صراحةً للموقع، فإن حديثه عن “المفتي المنشود” لا يُقرأ في فراغ. ومع توالي الصفات، أخذ المشهد طابعاً طريفاً: مرشح معلَن يشرح للجمهور مواصفات الرجل المناسب للمنصب، فإذا بهذه المواصفات، ويا لمحاسن المصادفات، تسلك جميعها الطريق المؤدي إلى المرآة المقابلة له.
كأن الرجل لم يكتف بتقديم اسمه، فتولى أيضاً كتابة دفتر الشروط، ثم ترك للمشاهد أن يكتشف أن واضع الشروط يرى نفسه مطابقاً لها بنداً بنداً.
وهنا يصبح من حق الذاكرة أن تتدخل.
فمسيرة هذا الطامح بدأت من موضع تثقل فيه الأمانة: محاسبة أموال الأيتام في المحكمة الشرعية. وأموال الأيتام ليست رقماً بارداً في دفتر؛ وراء كل رقم حق لمن فقد من يحمي حقه، ولذلك كان الحساب فيها أدق، والشبهة فيها أفدح. وما نُسب إلى تلك المرحلة من تضخيم أجور خبرة وتقاسم زيادات مالية يظل من الوقائع التي لا تمحوها إضاءة استديو، ولا يعيد ترتيبها حسن الظهور أمام الكاميرا.
ولعل أساتذة الاقتصاد كانوا سيجدون في الرواية المتداولة عن تلك التجربة مادة نافعة لبحث بعنوان: “التضخم حين يعرف طريقه إلى الجيب الصحيح”. فالرقم يبدأ بشيء، ثم ينمو حتى ثلاثة أمثاله، ثم تجد الزيادة من يحسن استقبالها. تنمية للموارد، نعم؛ غير أن الموارد هنا تعرف جيداً إلى أين تذهب.
ثم جاءت كلية الدعوة الإسلامية. دخل الرجل مؤسسة عنوانها العلم والرسالة، وخرج منها وسط وقائع مالية بقيت تلاحق سيرته. ولم تكن النهاية من النوع الذي يوضع في السير الذاتية تحت باب “الإنجازات”، وإن كانت الذاكرة المرنة قادرة دائماً على إعادة ترتيب الفصول وحذف الهوامش التي تفسد أناقة النص.
أما وظيفته في المحاكم الشرعية، فقد أضافت إلى تراث الإدارة اجتهاداً خاصاً في معنى الدوام. كان اسمه ثابتاً في السجلات، وراتبه أكثر انتظاماً من حضوره، حتى بدا أن الراتب هو الموظف الحقيقي: يأتي في موعده، لا يتأخر، ولا يحتاج إلى تذكير.
ثم جاء قرار الفصل من الوظيفة، فحسم الخلاف النظري بين الإدارة والرجل حول مقدار الصلة التي ينبغي أن تربط الموظف بوظيفته.
وعلى خط موازٍ لمسيرته الوظيفية، كان لصاحبنا مسار فكري وسياسي لا يقل انتهازية. حمل فكر الإخوان من غير أن ينتسب إلى تنظيمهم، وانخرط أمنياً في محور الممانعة؛ وهي صيغة تترك لصاحبها من حرية الحركة أكثر مما يتيحه الانتماء الصريح. فالانتساب يقيّد، ويحمّل صاحبه تبعات الموقف، أما العمل في الظل فيمنح صاحبه مساحة أوسع للمناورة، ويُبقي الأبواب مواربة والوجوه قابلة للتبديل بحسب مقتضيات المرحلة.
والأفكار عند صاحبنا بدت، في أكثر من محطة، كحقائب سفر يعاد توضيبها بحسب الوجهة. وحدها المصلحة تسافر دائماً في المقعد الأمامي.
ثم نعود إلى المقابلة.
تحدّث الرجل عن المؤسسة والقانون، وعن الرجل القوي السيادي الذي تحتاج إليه دار الفتوى، وراح يبني صورة المفتي المطلوب بعناية من يعرف جيداً الصورة التي يريد أن يخرج بها هو نفسه. غير أن للمقابلات التلفزيونية خاصية قد يغفل عنها الجالس تحت أضوائها: فالضوء الذي يراد له أن يجمّل الحاضر قد يمتد، من غير استئذان، إلى زوايا من الماضي.
ولهذا كان الصمت، ربما، أقل كلفة. فالناس تنسى، والأيام تطوي كثيراً من الصفحات، أما من يقرع باب الذاكرة بنفسه فلا يملك بعد ذلك أن يحدد لها أي الأدراج تفتح وأيها تبقيه مغلقاً.
والطموح إلى الإفتاء في ذاته ليس موضع السخرية؛ فالطموح حق لكل أحد. الطرافة تبدأ حين يراد للسيرة أن تولد من جديد أمام الكاميرا، وكأن سنوات مضت يمكن اختصارها بلقطة جيدة، وكأن الاستديو مغتسل للذاكرة، وحسن الإضاءة كفيل بأن يبيضّ ما علق في صفحات الماضي.
تغيّرت الغابة، إذن، وصار لها استديو وإضاءة ومذيع
وصار شعار الواعظين حديثاً عن السيادة والإصلاح وتداول السلطة. أما الثعلب فقد تعلّم لغة أحدث، وحفظ مفردات الحوكمة، وأتقن الوقوف أمام الكاميرا، حتى كاد يجعل الطموح الشخصي بنداً من بنود الإصلاح المؤسسي.
لكن شوقي كان قد ترك للحكاية خاتمتها قبل أن تُخترع هذه الاستديوهات كلها، ووضع الحكم على لسان ديك لم تغره الخطبة ولم تخدعه هيئة الواعظ:
مُخْطِئٌ مَنْ ظَنَّ يَوْمًا
أَنَّ لِلثَّعْلَبِ دِينَا.










