
دخل فرزاد زرادتشيان المقابلة عضوًا في المجلس الشرعي، وكاد يخرج منها مجلسًا شرعيًا كاملًا. هو يعرف، وهو يحرّك، وهو يعطّل، وهو يملك مفاتيح المؤسسة وخريطة إصلاحها. أما بقية الأعضاء، فتُرك لهم شرف الغياب حين قرّر أن يغيبوا، وشرف الظهور في الخلفية حين قرّر أن يتصدّر.
وفي حضرة شيخ الأنا، تصبح المقابلة تمرينًا على تصريف الأفعال مع ضمير واحد. أنا فعلت، أنا اتصلت، أنا رفضت، أنا حرّكت. ولو سأله المحاور عن المطر، لخشينا أن يقول: أنا جمّعت الغيم، لكن الآخرين تقدّموا بطلب الهطول!
وحين جاء السؤال عن رغبته في الترشّح للإفتاء، اختبأت الإجابة داخل المادة السابعة. شرح الترشيح والتزكية ويوم الانتخاب، حتى كاد المحاور يحتاج إلى محامٍ ليستخرج منه جوابًا عن سؤال بسيط: هل تريد المنصب؟ الرغبة وحدها بقيت مستورة، أما الخبرة والبرنامج ومعرفة تفاصيل المؤسسة، فقد خرجت جميعًا لاستقبال الناخبين.
يا لهذا الزهد المنظّم! لا يعلن أنه يريد الكرسي، لكنه يشرح مواصفات الجالس عليه، ثم يعرض سيرته بالمقاسات نفسها. يترك للجمهور مهمة الاستنتاج، بعدما رتّب له المقدّمات ووضع الإجابة تحت المخدّة.
ويتحدّث عن الوظائف التي مرّ بها داخل الدار، ثم يفتح دفتر أعطالها. وهنا يستحق المستمع استراحة قصيرة ليسأل: وأنت أين كنت؟ حين تأخرت الحسابات، وضعفت المحاسبة، وغابت الحوكمة التي تطالب بها، ماذا اقترحت؟ ماذا تابعت؟ وأيّ نتيجة حقّقت؟ كثرة الكراسي في السيرة لا تجيب عن حصيلة الجلوس عليها.
ثم تأتي ملحمة النصاب. كان هو المحرّك، وهو الذي حثّ الآخرين على المقاطعة. أما قناعات هؤلاء واستقلال قرارهم، فتختصرها الرواية في استجابتهم لحركة إصبعه. عجيب أن تدافع عن أهلية العلماء، ثم تروي موقفهم كأنهم ركّاب حافلة تنتظر تعليماتك: اليوم لا ننزل!
وفي الطعن، يظهر سؤال لا تحجبه بلاغة الاعتراض: إذا كنت جازمًا ببطلان القرار، وعارفًا بثغراته، فلماذا لم تتقدّم أنت بالمراجعة؟ ما الإجراء الذي حمل اسمك؟ لقد سمّيت صاحبي الطعن، حسنًا؛ فحدّد لنا حصّتك من العمل، قبل أن توزّع حصص البطولة. التصفيق للمرافعة لا يجعل المصفّق صاحبها، ولو شرح للجمهور كيف ينبغي أن تُقرأ.
واللافت أن المؤسسة في حديثه تحتاج إلى إصلاح طويل، بينما صورته عن نفسه تبدو منجزة تمامًا: خبرة حاضرة، ورؤية جاهزة، وأدوار حاسمة. وحده إعلان الرغبة يحتاج إلى مزيد من الإجراءات!
يا شيخ الأنا، قبل أن توحّد خطاب العلماء، امنح ضمير الجمع فرصة في حديثك. وقبل أن تقدّم نفسك جوابًا عن كل مشكلة، أجب عن سؤال واحد بلا إحالة إلى مادة قانونية:
هل جئت لتشرح للناس حال الدار، أم لتشرح لهم لماذا ينبغي أن يكون كرسيّها لك؟










