
في لبنان، يبدو أن بعض الأفكار لا تحتاج إلى عبقرية كي تتحول إلى مشكلة سياسية. يكفي أن تُقدَّم تحت عنوان «إصلاح»، وأن تجد من يحملها إلى طاولة القرار.
آخر الابتكارات المطروحة في قطاع الاتصالات يمكن اختصاره بعبارة واحدة: «بطاقة الأيام الفارغة».
الفكرة أن يدفع المشترك المال، لا ليحصل على رصيد يتحدث به أو بيانات يستخدمها، بل ليشتري فقط أيام صلاحية إضافية تُبقي خطه حياً.
أي أن المواطن سيدفع… مقابل أيام.
لا رصيد، ولا خدمة إضافية، ولا قيمة فعلية يحصل عليها مقابل ما يدفعه، سوى استمرار الخط بالعمل.
وهنا تحديداً تبدأ القصة السياسية.
حداد… وباسيل: المفارقة التي لا يمكن تجاهلها
ليس سراً أن مدير عام «ألفا» رفيق حداد محسوب على «التيار الوطني الحر»، في وقت يخوض فيه رئيسه جبران باسيل مواجهة سياسية مفتوحة مع الحكومة، ويضع أداء عدد من الوزارات، بينها وزارة الاتصالات، في صلب انتقاداته.
وفي 30 أيلول، شنّ باسيل هجوماً واسعاً على الحكومة خلال عرض «مرصد الحكومة»، متحدثاً عن 64 مخالفة للبيان الوزاري، وموجهاً انتقادات إلى أداء الحكومة في ملفات متعددة، من بينها الاتصالات.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف عندها:
كيف يمكن لفريق سياسي أن يهاجم الحكومة على خلفية الأداء وارتفاع كلفة الخدمات على اللبنانيين، فيما أحد أبرز المحسوبين عليه في قطاع الاتصالات يقف في موقع الإدارة التي تُطرح من جانبها أفكار من شأنها زيادة الكلفة على المشترك؟
السؤال ليس عن الموقف السياسي لباسيل بحد ذاته، بل عن التناقض بين الخطاب السياسي في المعارضة وبين ما يُطرح داخل مؤسسة عامة أساسية من أشخاص محسوبين على الفريق نفسه.
فإذا كان باسيل يستخدم ملف الاتصالات في هجومه على الحكومة، فإن ما يجري داخل «ألفا» يصبح أكثر حساسية سياسياً، لا أقل.
من «تحويل الرصيد» إلى اختراع المشكلة
خلال الأسابيع الماضية، تحولت خدمة تحويل الرصيد إلى ما يشبه «العدو الرسمي» الجديد داخل قطاع الاتصالات.
لكن المشكلة ليست في الخدمة نفسها.
تحويل الرصيد موجود في دول المنطقة، وليس اختراعاً لبنانياً شاذاً. وما جعلها منتشرة بهذا الشكل في لبنان هو طبيعة السوق نفسها: المشترك اللبناني لا يدفع فقط مقابل الاتصالات والإنترنت، بل يضطر إلى شراء أيام صلاحية بصورة دورية كي يحافظ على خطه فعالاً.
وبالتالي، إذا كان الهدف فعلاً هو القضاء على الحاجة إلى تحويل الرصيد، فالحل المنطقي هو معالجة أصل المشكلة: خفض كلفة إبقاء الخط على الشبكة.
لكن الطرح الذي يبرز اليوم يسير في الاتجاه المعاكس.
«بدي العالم تدفع أكتر»
الأكثر إثارة للجدل هو ما نُقل عن حداد خلال اجتماع في وزارة الاتصالات قبل نحو ثلاثة أشهر، بحضور عدد كبير من المشاركين.
بحسب من حضروا الاجتماع، لم يقتصر الطرح على وقف خدمة تحويل الرصيد، بل وصل إلى اقتراح رفع سعر أصغر بطاقة تعبئة.
والعبارة التي نُقلت عنه كانت مباشرة:
«بدي العالم تدفع أكتر من هيك لتضل على الشبكة عندي».
إذا صحّ هذا الطرح كما نُقل، فالسؤال يصبح بسيطاً:
هل الإصلاح في قطاع الاتصالات يعني أن ندفع المواطن إلى دفع المزيد كي يحتفظ بخطه؟
خصوصاً أن خدمة تحويل الرصيد نفسها ساهمت، على مدى أكثر من عقدين، في إبقاء مئات آلاف المشتركين على الشبكة، ولا سيما أصحاب الدخل المحدود الذين لا يستطيعون تحمّل كلفة تعبئة منتظمة. وبذلك، فإن ما يُقدَّم اليوم على أنه «إصلاح» قد يكون عملياً إلغاءً لآلية ساهمت طوال سنوات في توسيع قاعدة المشتركين وفي إدخال إيرادات إلى خزينة الدولة.
الأرقام التي لا تخدم نظرية «ادفع أكثر»
الأكثر إحراجاً أن دراسة رسمية أعدّها أحد كبار مستشاري وزير الاتصالات قبل انتقاله لاحقاً إلى «ألفا» وتوليه منصباً إدارياً فيها، خلصت إلى معطيات تستحق التدقيق.
فبحسب الدراسة، يبلغ متوسط الإيراد الشهري للمشترك مسبق الدفع، أو الـARPU، نحو 9 دولارات في «تاتش»، مقابل نحو 8 دولارات في «ألفا».
أي أن الفارق ليس فقط في عدد المشتركين والإيرادات الإجمالية، بل أيضاً في متوسط ما تحققه كل شركة من المشترك الواحد.
وهنا يصبح السؤال:
قبل أن نطلب من المواطن أن يدفع أكثر، لماذا لا يُسأل أولاً: كيف يمكن رفع كفاءة الإدارة وتحسين الإيرادات من دون رفع كلفة البقاء على الشبكة؟
«الأيام الفارغة»… الإصلاح الذي لا يعطي شيئاً
الأغرب أن البديل المقترح لا يبدو أكثر عدالة.
بدلاً من خفض سعر بطاقة التعبئة الحالية، مع الإبقاء على الرصيد وأيام الصلاحية، يجري الدفع نحو بطاقة لا تمنح المشترك رصيداً فعلياً، بل تجعله يدفع المال فقط لشراء أيام إضافية.
أي:
ادفع كي يبقى خطك حياً.
وهذه ليست خدمة اتصالات بالمعنى التقليدي.
إنها أشبه برسم دخول إلى الشبكة.
والأغرب أن هذا الطرح لم يأتِ، بحسب المعطيات المتداولة، من جهة واحدة، بل عُرض على الوزير من الشركتين معاً في اجتماع جرى مؤخراً في وزارة الاتصالات.
ورغم أن الوزير شارل الحاج لم يكن مقتنعاً بهذا الطرح، فإن الشركتين تمسكتا به، بينما لم تقدما أي طرح مختلف.
وهنا يأتي سؤال هو في الحقيقة جوهر القضية.
لماذا لا نخفض سعر البطاقة ببساطة؟
إذا كانت المشكلة أن سعر البطاقة الشهرية، البالغ حالياً نحو 4.5 دولارات، يدفع الناس إلى اللجوء إلى تحويل الرصيد، فلماذا لا يُخفض السعر؟
عندها، وبشكل طبيعي، ستتراجع الحاجة إلى تحويل الرصيد.
أما إلغاء الخدمة ثم اختراع بطاقة تجعل المواطن يدفع فقط كي لا يُغلق خطه، فهو نقل للمشكلة من جيب إلى جيب.
وإذا كان القرار هو إلغاء تحويل الرصيد، فهذا من صلاحيات الوزارة.
لكن إلغاء الخدمة يجب أن يترافق مع بديل طبيعي:
بطاقة أرخص، فيها رصيد وأيام صلاحية.
لا بطاقة يدفع فيها المواطن المال لشراء «أيام فارغة».
وهنا تدخل السياسة على الخط
المفارقة أن هذه المعركة تجري في الوقت نفسه الذي يستخدم فيه جبران باسيل ملف الاتصالات في هجومه على الحكومة.
باسيل يقول إنه يخوض «معارضة إيجابية وبناءة» ويقدم ما يصفه بالبدائل، وقد وضع الاتصالات ضمن الملفات التي تناولها في انتقاده لأداء الحكومة.
لكن في الجهة الأخرى، يقف رفيق حداد، المرتبط بالفريق السياسي نفسه، على رأس شركة «ألفا»، فيما تُطرح داخل القطاع أفكار تتعلق بزيادة ما يدفعه المشترك للحفاظ على خطه.
وهنا لا بد من طرح السؤال بصراحة:
هل المشكلة في الحكومة عندما ترفع كلفة الاتصالات، أم أن المشكلة تصبح مقبولة عندما تأتي من إدارة محسوبة على الفريق السياسي الذي ينتقد الحكومة؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى موقف سياسي مسبق.
الأرقام والوقائع هي التي يجب أن تجيب عنه.
لبنان لا يحتمل «اختراع» أزمات جديدة، قطاع الاتصالات ليس تفصيلاً صغيراً.
لبنان سبق أن اختبر كيف يمكن لقرار يتعلق بالاتصالات أن يتحول إلى شرارة سياسية وشعبية. ففي عام 2019، تحولت محاولة فرض رسم على استخدام «واتساب» إلى واحدة من أبرز الشرارات التي فجّرت احتجاجات 17 تشرين وأسهمت في إسقاط حكومة سعد الحريري.
اليوم، لا يعني ذلك أن «بطاقة الأيام الفارغة» ستكرر سيناريو 2019.
لكنها تطرح سؤالاً سياسياً واضحاً:
لماذا الإصرار على تحميل المواطن كلفة إضافية في وقت يُفترض أن يكون الاتجاه المعاكس هو تخفيف الأعباء عنه؟
فإذا كان الهدف إصلاح القطاع، فالإصلاح يبدأ من الإدارة والكفاءة والإيرادات وجودة الخدمة.
أما أن يدفع المواطن المال فقط ليحافظ على وجوده على الشبكة، فهذا ليس تطويراً للخدمة.
إنه ببساطة:
«ادفع… لتبقى موجوداً».
والأخطر أن هذه السياسة، إذا تحولت إلى قرار، قد تمنح المعارضة مادة جاهزة لمهاجمة الحكومة.
وهنا تصبح المفارقة كاملة:
فريق سياسي يهاجم الحكومة بسبب الاتصالات، بينما أحد أبرز المحسوبين عليه في القطاع يشارك في طرح سياسات يمكن أن تزيد الكلفة على اللبنانيين.
وفي النهاية، قد لا تحتاج الحكومة إلى خصوم كي تُحرج نفسها.
قد يكفي أن تمنح اللبناني بطاقة لا تعطيه رصيداً… بل تعطيه أياماً فارغة.










