مسرحية “مصل”… جو قديح يحوّل معركته مع المرض إلى ضحكة

beirut News10 أكتوبر 2026
مسرحية "مصل"... جو قديح يحوّل معركته مع المرض إلى ضحكة

ليست كلّ الضحكات وليدة الفرح، فبعضها يأتي من قلب الوجع، ويحمل خلفه حكايات من الألم والإيمان والأمل. ومن تجربة صحية صعبة خاضها على مدى ثلاث سنوات، يستعدّ الممثل جو قديح للقاء جمهوره في مسرحية “مصل”، في عمل يستعيد فيه محطات من رحلته مع المرض، ويحوّل ما عاشه من معاناة إلى مساحة للكوميديا والبوح والامتنان.

ومن المقرّر أن يقدّم قديح عرضًا واحدًا من “مصل”، يوم الأربعاء في 25 تشرين الثاني، عند الساعة الثامنة والنصف مساءً، على مسرح كازينو لبنان.

وفي حديث إلى “لبنان 24″، يختصر قديح حكاية المسرحية بالقول: “هي بتضحّك، بس جاية من غصّة، وهي لقاء من بعد ما كنت عم ودّع”. كلمات تختصر تجربة قاسية عاشها خلال السنوات الثلاث الماضية، ولا يزال يحارب تداعياتها، لكنّه اختار أن يواجهها بالضحكة والأمل، وأن يحوّل ما مرّ به إلى عمل يشاركه مع الجمهور، بعيدًا من الأجواء السوداوية، ومن دون أن يتجاهل معاناة المرضى الذين لا يزالون يخوضون تجارب مشابهة.

ويوضح قديح أنّ “مصل” تنتمي إلى نوع One Man Show، إذ يقف بمفرده على المسرح، لكنّه لم يشعر يومًا بأنّه وحيد خلال رحلته. ويقول إنّ الله وشفاعة مار شربل وسيدة بشوات وجميع القديسين، كانوا حاضرين معه طوال الوقت، مشيرًا إلى أنّ الإيمان شكّل ركيزة أساسية في مواجهته للمرض، فيما بقيت الضحكة وسيلته للتمسّك بالأمل وسط الصعوبات.

الضحكة نصف المقاومة

على الرغم من أنّ المسرحية تحمل الكثير من المواقف الطريفة التي تثير الضحك، فإنّها تنطلق من قصص وتجارب قد لا تكون نهاياتها سعيدة. لكنّ قديح يرى أنّ النهاية السعيدة تبقى حاضرة في أذهاننا، وأنّ الضحكة تشكّل نصف المقاومة، إلى جانب الأدوية والعمليات والعلاج الطبي.

ويضيف أنّ الضحك هو رفيق الإيمان، مستحضرًا عبارة “Mais les mots sur les maux”، التي تعني وضع الكلمات على الأوجاع والتعبير عنها بدلًا من تركها حبيسة الداخل. ولا يخفي رغبته في أن يستمتع هو أيضًا بهذه التجربة، وأن يضحك ويتسلّى مع الجمهور الذي سيأتي لمشاهدته، فلا يكون الضحك محصورًا بالمتفرّجين وحدهم.

ويؤكّد أنّ العمل لا يهدف إلى الغرق في الأفكار السوداوية، بل إلى تقديم مساحة للفرح وسط واقع لا يزال فيه كثيرون يتألّمون، سواء في منازلهم أو داخل المستشفيات. ومن هنا، تحمل المسرحية دعوة إلى التمسّك بالأمل، من دون إغفال الوجع الذي يعيشه الآخرون.

“مصل”… تحية إلى من رافقوه في رحلة العلاج
يحمل العمل في طيّاته رسالة شكر وامتنان إلى كلّ من وقف إلى جانب قديح خلال رحلته العلاجية، وفي مقدّمهم طبيبه “هامبسغ كوريه”، الذي يهديه المسرحية، إلى جانب الممرّضات اللواتي اعتنين به خلال فترة العلاج.

ويتوقّف قديح عند إحدى اللحظات التي تركت أثرًا عميقًا في نفسه، حين كانت إحدى الممرّضات تقف فوق رأسه أثناء خضوعه لعملية جراحية، فصلّت له وقالت: “بسم الله الرحمن الرحيم”. ويصف هذه اللحظة بأنّها من أجمل ما اختبره، إذ شعر بأنّ الممرّضة تصلّي من أجله كي يستعيد عافيته، على طريقتها، في مشهد أعاد إلى ذاكرته والدته، التي كانت تصلّي له وتباركه قبل ذهابه إلى المدرسة.

وتتجاوز هذه الذكرى، بالنسبة إليه، حدود اللحظة الشخصية لتصبح تعبيرًا عن الإنسانية التي تجمع الناس، مهما اختلفت دياناتهم ومعتقداتهم. ويشدّد على أنّ صلاته من أجل الشفاء لا تقتصر على فئة دون أخرى، بل تشمل كلّ مريض يوجد من يصلّي من أجله، سواء أكان مسلمًا أم مسيحيًا أم درزيًا، أيًّا كانت ديانته.

ومن هذا المنطلق، لا يحمل عنوان المسرحية دلالة طبية مباشرة، كما يوضح قديح، بل يرتبط بما يتضمّنه العمل من مواقف وإيمان ولفتات إنسانية.

حضور مختلف على المسرح
لن تكون عودة قديح إلى الخشبة هذه المرّة مشابهة لتجاربه السابقة، إذ ستختلف حركته على المسرح بفعل التغيّرات الصحية التي مرّ بها. ويقول: “حركتي على المسرح ستكون مختلفة هذه المرّة، لأنّه في السابق كان لديّ رئتان، أمّا اليوم فلديّ رئة وربع”، مؤكّدًا أنّه يتعامل مع هذا الواقع بإيجابية كبيرة وفرح.

ويشارك قديح على المسرح إيلي بو عبدو في الإيقاع، فيما ساهم نزار لبكي في كتابة النص، ويصف قديح دوره بأنّه أساسي رغم صغره، مشيرًا إلى أنّه كان سندًا له في الحياة وعلى المسرح. أمّا الموسيقى، فهي لجورج أبو رجيلي، والإخراج لجوليان معلوف، فيما يتولّى الإنتاج جورج بو عبدو وباتريك جحا.

من مواجهة المرض إلى رسالة إنسانية
في واحدة من العبارات التي يختارها من نصّ مسرحيته، يقول قديح: “لما بصلّي، بصلّي لاشفا، ولعدوّي يغفا، لأنّه إذا هو معاداني، أنا ماني معاديه”. ويضيف أنّ المرض هو أكبر عدوّ للإنسان، وأنّه يكشف حقيقته أمام الصعوبات، فيما يمنح الإيمان صاحبه القدرة على التمسّك بالضحكة ومواجهة الواقع.

ويتابع: “أنا بعيش عالكلمة، وبعيش من الكلمة”، مضيفًا: “وبدل ما نضلّ نلفّ مع بعضنا، صار الوقت نلفّ على بعضنا”.

بهذا المعنى، تأتي “مصل” لقاءً بين جو قديح وجمهوره، بعد رحلة لم تكن سهلة، لكنّها تحوّلت إلى مادة مسرحية تجمع الضحك بالوجع، والإيمان بالامتنان، والتجربة الشخصية برسالة إنسانية أوسع. إنّها محاولة للوقوف على الخشبة مجددًا والاحتفال بالحياة، مع التذكير بأنّ خلف كلّ مريض حكاية، وخلف كلّ ضحكة قدرة على مقاومة الألم.