تتسارع التحركات الرسمية اللبنانية لتلقف الفراغ الأمني الذي من المتوقع أن ينتج عن مغادرة القوات الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل) مع انتهاء ولايتها نهاية العام الحالي، في ظل غياب تفاهم دولي على تمديد مهامها أو على قوة بديلة تحل مكانها، في حين أنشأ الاتحاد الأوروبي بعثة لدعم القوات المسلّحة اللبنانية، مع تأكيده أنها ليست بديلاً عن «اليونيفيل».
ويطرح انتهاء مهمة «اليونيفيل» وخروج قواتها من المنطقة الحدودية مع إسرائيل تساؤلات جدية حول الجهة التي ستتولى ملء الفراغ الذي قد ينشأ عن انسحابها، والآليات التي ستُعتمد لضمان استمرار مراقبة «الخط الأزرق» ورصد الانتهاكات، خاصة في ظل القدرات المحدودة للجيش اللبناني على تولّي المهام الأمنية والميدانية التي كانت «اليونيفيل» تؤديها، ولا سيما في المناطق التي يصعب الوصول إليها، أو التي تخضع لقيود عسكرية إسرائيلية.
ونبه الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الخشية ليست من رحيل قوّة عسكريّة في حدّ ذاته، بل من رحيل الشاهد الدوليّ الوحيد على ما يجري على الحدود. فانتهاء ولاية قوات (اليونيفيل) يحصل في ظرف بالغ الدقّة؛ إذ لا تزال القوّات الإسرائيليّة تحتلّ مناطق حدوديّة في الجنوب، في حين يخوض لبنان وإسرائيل مفاوضات مباشرة».
واًوضح يمين: «مكمن الخطر أنّ أيّ اتّفاق يتم التوصل إليه يحتاج إلى من يتحقّق من تنفيذه على الأرض. فمن دون حضور دوليّ تصبح الرواية الإسرائيليّة هي الرواية الوحيدة، ويغدو كلّ خرق قابلاً للتبرير، وكلّ اعتداء قابلاً للتسويق بوصفه دفاعاً عن النفس».
اضاف يمين أن «(اليونيفيل) لم تكن مجرّد مراقب، بل كانت أيضاً قناة اتّصال بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، تحتوي الحوادث قبل أن تتدحرج إلى مواجهات أوسع، وغيابها يجعل إدارة أيّ أزمة أشدّ صعوبة وأعلى تكلفة»، مشدداً على أن «مصلحة لبنان من وجود قوّات دوليّة جنوباً هي مصلحة قانونيّة وسياديّة قبل أن تكون أمنيّة. فالقوّة الدوليّة العاملة تحت راية الأمم المتّحدة تنتشر بموافقة الدولة اللبنانيّة وطلبها، وتستمدّ شرعيّتها من قرارات مجلس الأمن، لا سيّما القرارين (425) و(1701)، اللذين يقومان على مبدأ الانسحاب الإسرائيليّ الكامل وبسط سلطة الدولة اللبنانيّة حتّى الحدود المعترف بها دوليّاً. والإبقاء على هذا الإطار الأمميّ يعني الإبقاء على المرجعيّة القانونيّة التي تحمي الحقّ اللبنانيّ، بدل الانزلاق إلى ترتيبات ثنائيّة يختلّ فيها ميزان القوى اختلالاً فادحاً لصالح الطرف الأقوى».
وتتجلّى المصلحة اللبنانية بوجود دولي في الجنوب في أربعة أمور، بحسب يمين: «أوّلها توثيق الخروق الإسرائيليّة وتكوين سجلّ دوليّ موضوعيّ يمكن الاحتجاج به أمام المراجع الدوليّة. وثانيها مؤازرة الجيش اللبنانيّ في مرحلة يُطلب منه فيها أن يتولّى وحده الأمن جنوب الليطاني. وثالثها تثبيت الالتزام الدوليّ باستقرار الجنوب، بحيث لا يُترك لبنان وحيداً في مواجهة إسرائيل. ورابعها البُعد الإنسانيّ والاقتصاديّ الذي أدّته هذه القوّة طوال عقود في حياة القرى الجنوبيّة».
ويعتبر يمين أن «إسرائيل لا تريد شاهداً؛ فالحضور الدوليّ، بما يوفّره من رقابة وتوثيق، يقيّد حرّيّة الحركة التي اعتادتها في الجنوب، ويُبقي سلوكها تحت عين المجتمع الدوليّ. والقراءة (الأدقّ) أنّ ثمّة نزعة إسرائيليّة إلى إنهاء هذا الوجود والدور الأمميّ؛ للاستفراد بلبنان والتصرّف بجنوبه من دون رقيب».
وكتبت” الاخبار”:كلّما اقترب موعد انتهاء مهمة القوات الدولية العاملة في لبنان «اليونيفل»، تكثّفت التحركات بحثاً عن صيغة للحضور العسكري والأمني الأجنبي في البلاد بعد انتهاء المهمة، وسط تباين في مواقف الأطراف الدولية. فبعدما ارتضت الدول الأوروبية بدور هامشي يقتصر على برامج تدريب للقوى الأمنية والعسكرية، بعيداً عن الجنوب، تبيّن أن واشنطن تتحفّظ على أي دور أوروبي بالمُطلق. وقد أُبلِغت جهات لبنانية أن الولايات المتحدة ترفض إنشاء بعثة أوروبية مستقلة، بالتزامن مع تمسّك إسرائيل برفض نشر قوة بديلة في الجنوب.
وكانت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس قد طرحت، خلال زيارتها بيروت في 8 الجاري، مُقترحاً لإيفاد نحو مئة عنصر يتولون تدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتقديم المشورة والدعم لهما، إلى جانب المساهمة في مراقبة الحدود الشرقية والشمالية وتعزيز قدرات المؤسسات الرسمية. وقد اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي، أمس، قراراً بإنشاء بعثة دعم تابعة للاتحاد الأوروبي في لبنان في إطار سياسته الأمنية والدفاعية المشتركة، مؤكداً التزامه بدعم استقرار لبنان وسيادته ومؤسساته الحكومية. وأعلن المجلس، في بيان، أن مدة الولاية الأولية للبعثة ستكون ثلاث سنوات، وأن البعثة «ستساهم في ترسيخ السلام والأمن في لبنان، ودعم تقوية مؤسسات الدولة، وتعزيز الاستقرار الدائم بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي 1701». في المقابل، تدّعي واشنطن أنها تفضّل ترتيبات تستند إلى الآليات القائمة، وإلى التنسيق مع الجيش اللبناني، وما قد تؤول إليه المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. وبالتوازي، تتواصل المشاورات بشأن تشكيل لجنة لمراقبة تنفيذ اتفاق الإطار، وسط طرح أسماء دول للمشاركة فيها، بينها إيطاليا وسويسرا والأردن. وفي بيروت، لم توزّع الأمانة العامة لمجلس الوزراء، حتى الآن، مشروع المُقترح الأوروبي على الوزراء لمناقشته بالتفصيل. ويحاول وزير الخارجية يوسف رجّي، بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام، حصر النقاش في العناوين العامة، خشية بروز اعتراضات على بنود حساسة يتضمّنها المشروع.












