“حاضرات في الحقول… غائبات عن الحماية”: هذه قصة المزارعات اللبنانيات!

beirut News16 أكتوبر 2026
"حاضرات في الحقول... غائبات عن الحماية": هذه قصة المزارعات اللبنانيات!

تعمل نساء في الحقول اللبنانية بأجر يومي، من دون عقود أو ضمان، فيما تساعد أخريات في زراعة أراضي العائلة من دون دخل مستقل. وحين يُفتح باب الدعم، قد لا يكفي هذا العمل للاستفادة منه؛ فالبرامج التي تشترط مؤسسة مسجّلة أو إثبات عمل رسمي تترك كثيرات خارجها، لأن عملهن موسمي وغير مسجّل. وفي عام 2026، المعلن سنة دولية للمزارِعة، لا تزال الأرقام المتاحة عن أوضاع العاملات في الزراعة اللبنانية قديمة، ما يصعّب تحديد عدد المحرومات من الدخل الثابت والحماية الاجتماعية. ففي الحقل، يبدأ العمل قبل أن تصل المحاصيل إلى السوق بوقت طويل، حيث يتم العمل بتجهيز الأرض، الزرع، التقليم، القطاف، الفرز والتوضيب. تنفّذ نساء كثيرات جانبًا أساسيًا من هذه الأعمال، لكن مساهمتهن لا تظهر دائمًا في السجلات، ولا تتحول بالضرورة إلى دخل ثابت أو عقد عمل أو تغطية صحية.

 
في 14 تشرين الأول، دعت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الريفية، إلى الاعتراف بدور النساء في الإنتاج الزراعي وحماية حقوقهن وتوفير فرص اقتصادية عادلة لهن. لكن الاعتراف، بالنسبة إلى العاملات، يبدأ بأسئلة أكثر مباشرة: من يحصي أيام عملهن؟ كيف يُحدَّد أجرهن؟ ومن يتحمل كلفة العلاج إذا أصبن في الحقل؟

 
لا تتوافر في البيانات المنشورة التي أمكن الوصول إليها حصيلة وطنية حديثة تجيب بدقة عن عدد النساء العاملات في الزراعة من دون دخل منتظم أو ضمان اجتماعي. وتكمن المشكلة جزئيًا في أن العمل الزراعي لا يقتصر على الوظيفة المسجلة: فهناك العمل الموسمي واليومي، ومساعدة أفراد الأسرة في المزرعة، والتوضيب والتصنيع الغذائي المنزلي. وقد نبهت الهيئة إلى أن جانبًا من هذا العمل الريفي يبقى غير مرئي أو غير محسوب في الإحصاءات.
 
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة والأمم المتحدة إلى أن النساء شكّلن نحو 43% من القوى العاملة الزراعية في لبنان في 2021. لكن هذه النسبة لا تكشف وحدها إن كنّ عاملات بأجر، أو أفرادًا يعملن في مزارع عائلية، أو صاحبات حيازات زراعية؛ كما أنها لا تخبرنا كم منهن يتمتعن بالحماية الاجتماعية.
 
عمل حاضر… وحماية غير مضمونة
المشكلة ليست في الأرقام وحدها، بل في طبيعة الحماية القانونية أيضًا. وفق عرض منظمة العمل الدولية، لا يشمل قانون العمل العاملين الزراعيين غير الدائمين والعاملين لحسابهم الخاص، كما أن إدخالهم في نظام الضمان الاجتماعي، المنصوص عليه في القانون، ظل مؤجلًا. أما العاملون الدائمون في بعض المؤسسات الزراعية، فتوجد لهم تغطية قانونية، لكن الالتزام بها محدود. وتضيف المنظمة أن العمال الأجانب، رغم الالتزامات المتعلقة بالمساهمات، لا يستطيعون الاستفادة من المنافع.الجزيرة نت” style=”width: 100%; height: 100%;” />
 
وتعني هذه الثغرات أن نوع العقد ومدة العمل والوضع القانوني للعامل أو العاملة قد تحدد ما إذا كان هناك سبيل إلى التغطية أو الشكوى. وفي موسم القطاف، قد تُحسب الأجور باليوم أو بكمية المحصول، بينما لا يوجد عقد مكتوب يثبت عدد ساعات العمل أو الأجر المتفق عليه.
 
“لبنان24” التقى ببعض المزارعات اللبنانية، إذ تقول “سعاد”، وهي مزارعة تعيل أسرتها في قرية بالبقاع، إنها تعمل في الأرض خلال الموسم، ثم تعود إلى أعمال المنزل ورعاية أطفالها. وتصف دخلها بأنه مرتبط بما يتوفر من عمل، لا بموعد ثابت في الشهر.
 
وتضيف: “إذا كان هناك قطاف أعمل، وإذا انتهى الموسم لا يكون هناك أي ضمانة بأنني سأحصل على عمل في أي حقل آخر. وتقول:” أحياناً نعرف الأجرة قبل أن نبدأ، وأحياناً يُحدَّد الحساب بعد الانتهاء. أنا بحاجة إلى العمل، ولذلك لا أستطيع دائماً الرفض إذا لم يناسبني المبلغ. “بلا معيل ولا منزل.. كيف تصارع نساء <a class=جنوب لبنان تداعيات الحرب؟” style=”width: 100%; height: 100%;” />
 
وتلفت إلى أنّ المرض أو الإصابة قد يعنيان خسارة أيام عمل ودخل في الوقت نفسه: ” إذا لم أذهب إلى العمل، فلن أتقاضى أجراً عن ذلك اليوم. وإذا تعبت، تفكيري يذهب إلى كيفية تدبير مصروف البيت. “.
 
الأجر والعقد والحماية
توضح منظمة العمل الدولية أن العاملين الزراعيين غير الدائمين والعاملين لحسابهم الخاص لا تشملهم أحكام قانون العمل، وأن إدخالهم في نظام الضمان الاجتماعي ظل مؤجلًا. أما العاملون الدائمون، فتوجد لهم تغطية قانونية في بعض الحالات، لكن تطبيقها محدود. وهذا يجعل معرفة نوع العمل والعقد والتسجيل الفعلي أساسية قبل إطلاق حكم عام على أوضاع كل العاملات.
 
أما “نبيل”، صاحب أرض في المنطقة نفسها، فيقول إن الحاجة إلى أيدٍ عاملة ترتفع في مواسم محددة، وإنه يستعين بعاملات للقطاف والفرز. وعندما يُسأل عن العقود والتسجيل، يجيب:” الشغل موسمي، والعاملات يأتين بحسب الحاجة. نتفق على الأجرة قبل العمل، لكن لا توجد عقود مكتوبة مع كل عاملة. بالنسبة إلى الضمان، الموضوع ليس بسيطًا في العمل الموسمي، وكل مزارع يحاول أن يُنهي الموسم ضمن إمكاناته”.
 
وحين يُسأل عن توفير معدات الوقاية أو التعامل مع إصابة في الحقل، يرد: “نحاول أن نأمّن المطلوب، لكن لا يوجد نظام موحد عند كل المزارع”.
 
الأرض والدعم: من يملك القرار؟
العمل في الزراعة لا يعني بالضرورة امتلاك أرض أو التحكم بالدخل. وتُظهر بيانات قديمة تعود إلى 2010 أن النساء كنّ يترأسن ويدرن نحو 9% من المزارع، ويزرعن نحو 5% من المساحة الزراعية. لكن هذه الأرقام لا تصف الوضع الحالي، ولا تبيّن وحدها من يعمل في الأرض من دون أن يملكها أو يملك حقًا مسجلًا فيها.
في المحصلة، لا تغيب المزارعات اللبنانيات عن الحقل بل عن السجلات والحماية، فنحو 43% من القوى العاملة الزراعية نساء، ومع ذلك لا يشمل قانون العمل العاملين الزراعيين غير الدائمين والعاملين لحسابهم الخاص، ويبقى إدخالهم في الضمان الاجتماعي مؤجلاً، وتُحسم الأجور في الغالب بالاتفاق الشفهي من دون عقد يثبت الأيام والساعات. ولأن الأرقام المتاحة قديمة، وأحدثها عن ملكية النساء للأراضي يعود إلى 2010، يصعب تحديد عدد المحرومات من دخل ثابت وتغطية صحية، وهو ما يجعل إحصاء العاملات وتوثيق أجورهن الشرط الأول لأي دعم أو اعتراف يُعلن عنه في المناسبات.