لا سيادة كاملة للدولة إذا بقي الاحتلال في الجنوب على حاله

beirut News18 أكتوبر 2026
لا سيادة كاملة للدولة إذا بقي الاحتلال في الجنوب على حاله

مع اقتراب موعد انسحاب قوات حفظ السلام “اليونيفيل” من جنوب لبنان مبدئيًا في 31 كانون الأول 2026، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الوضع الأمني في المنطقة، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتعثر استكمال انتشار الجيش، مع تشديد أممي على أن قوات “اليونيفيل” ستواصل أداء مهمّاتها حتى اليوم الأخير من الولاية، مع ما تحمله المرحلة المقبلة من تعقيدات، في ظل حساسية الوضع في الجنوب وما يفرضه من تحدّيات، وبالتالي فإنه لا يمكن البحث في ما تخبئه هذه المرحلة، التي ستلي انسحاب “اليونيفيل” من مفاجآت بمعزل عن مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، واحترام السيادة اللبنانية، ووقف الاعتداءات، وتأمين عودة السكان إلى قراهم.


فمن غير المنطقي أن يُطلب من لبنان إثبات قدرته على إدارة أمن الجنوب، فيما تبقى مسائل أساسية متصلة بالوجود العسكري الإسرائيلي والضمانات الحدودية موضع نزاع. كما أن تحميل الجيش مسؤوليات جديدة لا ينبغي أن يصبح بديلاً من إلزام إسرائيل باحترام التزاماتها والقواعد الدولية ذات الصلة.

إن أي ترتيب أمني مستدام يجب أن يكون متوازناً وواضحاً، أي انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، وانتشار فعلي للجيش، واحترام متبادل للحدود، وآليات موثوقة للتحقق من الخروقات ومعالجتها، بما يضمن ألا تبقى القرى الحدودية رهينة التهديدات أو الحسابات العسكرية.

ونسأل مع السائلين إذا كان من الممكن أن يكون البديل دولياً؟

لا شك في أنه إذا تعذّر تمديد ولاية “اليونيفيل”، وهذا ما هو مرجح، فإن البحث عن صيغة دولية بديلة لا ينبغي أن يتحول إلى معركة بين من يريد بقاء القوات الدولية ومن يطالب برحيلها. فالمعيار الأساسي يجب أن يكون مصلحة لبنان وقدرته على حماية استقراره.

وقد تشمل الخيارات المطروحة وجوداً دولياً بصيغة مختلفة، أو آليات مراقبة واتصال، أو دعماً مباشراً للجيش ضمن إطار قانوني واضح. لكن أياً من هذه الخيارات يحتاج إلى تحديد دقيق للصلاحيات والمهام، وطبيعة الانتشار، ووسائل التحقق من الالتزامات، وكيفية التعامل مع الخروقات.

ولا يجوز أن تكون النتيجة قوة دولية محدودة الصلاحيات لا تستطيع أداء دور مؤثر، أو ترتيباً يترك لبنان أمام مسؤوليات تفوق قدراته المتاحة. وفي المقابل، لا يجوز التعامل مع الوجود الدولي باعتباره بديلاً دائماً من بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها.

قد يرى البعض أن انتهاء مهمة “اليونيفيل” قد يتيح للبنان فرصة لاستعادة زمام المبادرة الأمنية بعيداً من الاعتماد على الخارج. وقد يحذّر آخرون من أن الانسحاب في الظروف الحالية قد يخلق فراغاً يصعب ملؤه. وبين الرأيين، ينبغي أن يبقى النقاش محكوماً بالوقائع والمصلحة الوطنية، لا بالمواقف المسبقة.

فالسيادة لا تتحقق بمجرد مغادرة القوات الدولية، كما أنها لا تنتقص بالضرورة من وجودها عندما يكون هذا الوجود قائماً على قرار دولي، ويحترم سيادة لبنان، ويساعد على تثبيت الاستقرار. السيادة الفعلية هي قدرة الدولة على حماية حدودها ومواطنيها، ومنع استخدام أراضيها في مواجهات لا تقررها مؤسساتها الشرعية، ومواجهة أي انتهاك خارجي من موقع قانوني وسياسي متماسك.

وهذا يفرض على القوى اللبنانية أن تتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مسؤولية مشتركة، لا فرصة لتبادل الاتهامات أو تسجيل النقاط. فالمطلوب ليس الانتصار لفريق على آخر، بل منع تحويل الجنوب مجدداً إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

فمع اقتراب نهاية العام 2026، لا يملك لبنان ترف الانتظار حتى اللحظة الأخيرة. المطلوب تحرك دبلوماسي نشط في مجلس الأمن، وتنسيق جدي مع الدول المعنية، وخطة واضحة لتعزيز قدرات الجيش، وترتيبات قابلة للتنفيذ بشأن مراقبة الحدود والتعامل مع الخروقات وضمان العودة الآمنة للأهالي.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تكون هناك إجابات واضحة عن أسئلة أساسية، وهي تتعلق بطبيعة الدور الدولي بعد “اليونيفيل”، وعن الجهة الدولية التي ستتولى مراقبة الالتزامات، وكيفية منع التصعيد وعدم ترك لبنان عرضة لأي تطور من بوابته الجنوبية، وعن الضمانات التي تحول دون فرض وقائع جديدة على الأرض.

إن مستقبل الجنوب لا يمكن أن يُترك للمجهول، ولا يجوز أن يصبح مصير سكانه نتيجة جانبية لتجاذبات القوى الكبرى، إذ لا يمكن في النهاية أن يكمن الامتحان الحقيقي في بقاء “اليونيفيل” أو رحيلها بحد ذاته، بل في قدرة لبنان على الانتقال من مرحلة الاعتماد على المظلة الدولية إلى مرحلة تتوافر فيها شروط السيادة الفعلية والاستقرار المستدام.

وقبل الحديث عن أي أمر آخر له علاقة بالسيادة اللبنانية فإن بقاء الجيش الإسرائيلي حيث هو في المنطقة الجنوبية الواسعة يشكّل اختبارًا جدّيًا لأي مبادرة دولية، وبالتالي يشكّل تهديدًا مباشرًا لإمكانية قيام دولة كاملة السيادة، داخليًا وحدودًا جنوبية وشرقية وشمالية.