
افتتح الأرشمندريت موريس دكّانًا لوزن العلماء. علّق فوق الباب لافتة عالم الدين في الميزان، ورصّ على الرفوف علب التواضع، وأكياس الانفتاح، وعبوات العقل والعلم. ثم جلس وراء الميزان بصفته صاحب الدكّان، وخبير الموازين، ودائرة حماية المستهلك. توزيع الأدوار عنده سهل؛ يشغلها جميعًا، ويترك للآخرين مهمة الوقوف على الكفّة.
واستهلّ مشروعه باكتشاف أن اللقب لا يضمن الكفاءة، وأن الاشتغال بالدين لا يجعل صاحبه صالحًا بالضرورة. كدنا نطلب إعلان يوم عطلة احتفاءً بهذا الفتح، لولا أننا تذكّرنا أن الطبيب قد يخطئ، والمهندس قد يقصّر، والكاتب قد يكتب كثيرًا ولا يقول شيئًا. وحتى نقّار الخشب، مهما أحدث من ثقوب، لا يصبح عميد كلية الهندسة.
لكن وزن العلماء يحتاج إلى أدوات أدقّ من منقار. فالعلم يُختبر بصحة النقل، وفهم المسائل، وسلامة الاستدلال، والقدرة على الجواب عن الاعتراض. والاستقامة تُعرف بما يثبت من السلوك. وقد يكون المرء واسع المعرفة سيئ الخلق، أو حسن النية قليل العلم. أما خلط هذه المعايير ثم توزيع الناس بين صالح وجاهل وماجن، فيشبه دكّانًا يزن الذهب والبطاطا بالميزان نفسه، ثم يغضب لأن الصائغ اعترض.
ومن نفائس المعروضات وصيته بالتواضع والابتعاد عن المدح. وهنا يحسن أن نفتح مقاله عن يومه الأول في التقاعد؛ فقد تولّى فيه بنفسه تعداد فضائل شخصيته، وحريته، ونزاهته، وابتعاده عن التزلف، وراحة ضميره. دخلنا لنقرأ تجربة موظف متقاعد، فوجدنا حفل تكريم: المحتفى به يقدّم الحفل، ويلقي كلمات المهنّئين، ويسلّم نفسه الدرع التقديرية لم يبق الا ان يزيل الستار عن نصبه التذكاري!!!.
لم يترك الرجل لمادحيه فرصة عمل. أنجز المهمة كاملة، حتى خُيّل إلينا أن التواضع الوحيد في المقال هو اكتفاؤه بمقال واحد.
له أن يروي تجربته ويدافع عن سيرته، ولكن بأي وجه يوصي الصالحين بالتواري عن الأنظار، بعدما استأجر لنفسه واجهة العرض كلها؟ يبدو أن التواضع في دكّان موريس بضاعة للبيع، لا للاستعمال الشخصي. يلفّها للزبائن بعناية، ويعود إلى تلميع صورته.
ثم ينتقل إلى أدب الاختلاف. يعرض فريقًا يناقش بهدوء ورقي، ويضع في المقابل أصحاب الجمود والعقول المغلقة. وبعد أن يصدر قرار إقفال عقولهم، يتفضّل بإحسان الظن بنيّاتهم. يا للكرم! صادر منهم أهلية التفكير، ثم صرف لهم تعويضًا معنويًا: أنتم طيّبون، ولكن لا تتعبوا رؤوسكم؛ الرأس العامل موجود عندي.
ولو عرض مسألة محددة، ونقل حجج الطرفين، وبيّن موضع الخطأ، لاستطعنا فحص حكمه. لكنه يسلّمنا بطاقات التصنيف جاهزة. هذا منفتح، وذاك جامد، وذلك يحتاج إلى صيانة عقلية. لا محاضر فحص، ولا أدلة، ولا حيثيات؛ يكفي توقيع موريس أسفل شهادة الصلاحية.
والرجل نفسه نشر صورة قافلة إبل وكلاب تنبح، ووضع فوقها المثل المعروف. لا يهمّ مَن يقصد؛ المهم أن أستاذ آداب الحوار، حين انتقل من التنظير إلى التطبيق، استبدل خصومه بكلاب. هكذا، وبضربة واحدة، اختصر مشقّة الرد: لا حاجة إلى قراءة اعتراض من قرّر سلفًا أنه ينبح.
على الورق يتسع صدره للرأي الآخر، وتحت الصورة يضيق حتى عن الاعتراف بأن صاحبه يتكلم. يبدو أن أدب الحوار عنده من ثياب المناسبات: يرتديه لالتقاط صورة فكرية أنيقة، ثم يعلّقه خلف الباب قبل أن يبدأ الكلام.
ومن حسن حظ القافلة أنه وضع نفسه فيها؛ وإلا لاضطر إلى مناقشتها أيضًا.
بعد ذلك يستدعي العقل والعلم في مواجهة نصوص يراها بعضهم دخيلة أو غير ثابتة. أين النص؟ وما وجه الخلل؟ أفي ثبوته، أم في فهمه، أم في تطبيقه؟ وما الحقيقة العلمية التي يعارضها؟ أسئلة بسيطة، لكنها تتطلب عملًا أكثر من وضع كلمتي العقل والعلم في واجهة المقال. فهاتان الكلمتان لا تعملان كشاحنة سحب تُزيح بها كل ما يعترض طريقك.
قدّم لنا نصًا فحصته، ودليلًا ناقشته، ونتيجة أقمتها على مقدماتها. أما الوقوف أمام الرفوف وتكرار أسماء البضائع، فلن يملأ سلّة أحد.
الدعوة إلى تصحيح التراث تقتضي تقديم التصحيح. مَن يقول إن قولًا موروثًا خطأ، عليه أن يثبت خطأه؛ ومَن يقترح جديدًا، عليه أن يقيم حجته. لا يصبح الكلام صحيحًا لأن صاحبه كتب على جبينه مجدّد، كما لا يصبح باطلًا لأن قائله مات قبل اختراع هاتف موريس. شهادة الانفتاح التي يحرّرها المرء لنفسه لا تُغني عن سطر واحد من البرهان.
أما استحضار العلايلي، فلن يمنح الكلام حجّة لم يقدّمها صاحبه. للعلايلي قامته، والمقال لا يرفعه إلا ما يحتويه من حجج. وضع اسم كبير في فقرة لا يرفع قيمتها؛ وإلا لصار بائع الكتب أعظم من جميع مؤلفيها، فهو يجمع أسماءهم كل صباح على الرصيف.
ولأن موريس اختار لغة القافلة والكلاب، فقد يفهم الصورة بلغته: ليس كل كلب نبح بين الجبال، فعاد إليه صوته مدوّيًا، قد صار عظيمًا؛ فالجبال ردّت صوته، ولم تمنحه قامتها.
فلا تتوهّم يا موريس أنك باستحضار العلايلي استعرتَ عظمته؛ أنت ترفع صوتك عند سفح جبل اسمه العلايلي ، ثم تسمع الصدى فتحسب أنك صرتَ جبلًا!
وبالمناسبة، عبارات الخاتمة، ومعها تصنيف المخالفين، سبق أن حضرت في مقاليه عن المؤسسات الدينية وعن التقاعد. إعادة الأفكار جائزة، ولكن لهذا المشهد نكهته: داعية التجديد يخرج البضاعة نفسها، يبدّل ورق التغليف، ثم يلقي علينا محاضرة في التخلّص من الجمود. حتى نقّار الخشب يغيّر موضع النقرة؛ أما هنا فالخشبة نفسها، والثقب نفسه، مع إعلان عن افتتاح جديد.
انتقد مَن تشاء يا موريس، ولكن أحضر النص قبل الحكم عليه، والحجة قبل توزيع الأوصاف، وجرّب أن تمرّر نفسك على الميزان الذي نصبتَه للناس.
وإن خفتَ على النتيجة، فلا تقل إن الميزان معطّل.
ارفع إصبعك عن الكفّة… لنعرف وزن حجّتك.










