
نُشرت عقب جلسة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في ٣١ تشرين الأول أسماء أعضاء قاطعوا الاجتماع تحت عنوان «لائحة الشرف السنية». فما علاقة الشرف بخلاف على نصاب جلسة أو بنود جدول أعمالها؟ وكيف صار الغياب مدعاةً للتكريم قبل التحقّق من أسبابه، وصار الحضور موضع شبهة قبل مناقشة ما جرى في الجلسة؟
تحتاج هذه الدعاية إلى مراجعة تبدأ من الأرقام التي استندت إليها؛ فبين الغائبين مقاطعون، وبينهم من اعتذر للسفر، وفي المجلس أعضاء لا يواظبون أصلًا على حضور جلساته.
فحضور ستة عشر عضوًا من أصل تسعة وثلاثين يعني غياب ثلاثة وعشرين، لكنه لا يعني أنهم جميعًا قاطعوا الجلسة. فالعدد الإجمالي يشمل رئيس الحكومة ورؤساء الحكومات السابقين، بوصفهم أعضاء طبيعيين، وعدم مواظبتهم عادةً على حضور الجلسات لا يجيز احتساب غيابهم تلقائيًا ضمن المقاطعة، ما لم يصدر عنهم موقف يثبت ذلك. وتبقى عضويتهم معتبرةً في احتساب النصاب وفق أحكامه.
كذلك تغيّب العضو إياد بردان والعضو المنتخب نزيه حمد بداعي السفر لوجودهما خارج البلاد، واعتذر عبد الله شاهين عن الحضور للسبب نفسه. ومن ثمّ، فإن تحويل مجموع الغائبين إلى كتلة مقاطِعة يتجاهل اختلاف أسباب الغياب؛ فسجلّ الحضور يبيّن الأسماء، لكنه لا يثبت وحده المواقف السياسية لأصحابها.
وفي القانون، ينبغي التمييز بين صحة انعقاد المجلس، وجواز البتّ بموضوع معيّن، وسلامة القرار المتخذ بشأنه. فهذه مسائل مترابطة، ولكلٍّ منها شروطه.
المادة ٥٠ من المرسوم الاشتراعي رقم ١٨/١٩٥٥ تشترط أكثرية الأعضاء في الجلسة الأولى، وتكتفي بثلثهم على الأقل في الجلسات التالية، فيما تفرض حضور ثلاثة أرباع الأعضاء لفصل عضو أو تعديل المرسوم. ومن ثمّ، فإن عدم اكتمال النصاب الخاص يمنع البتّ بما يستوجبه، كما أن اكتمال النصاب العادي لا يجيز تمرير تعديل يحتاج إلى حضور أوسع.
أما تطبيق هذه الأحكام على الجلسة المعنية، فيقتضي الرجوع إلى الدعوة وجدول الأعمال ومحضر الاجتماع، في ضوء النصوص الناظمة لانعقاده؛ لمعرفة صفة الجلسة، والموضوعات التي نوقشت، وما اتُّخذ فيها من قرارات. فالعدد وحده لا يكفي لإثبات البطلان، ولا يكفي لإثبات سلامة الإجراءات والقرارات جميعًا.
والاعتراض على البنود الخلافية يستحق جوابًا موضوعيًا يبيّن مضمونها وسندها القانوني ومصيرها في الجلسة. فمن يعترض على الدعوة يحدّد الخلل فيها، ومن ينازع في النصاب يبيّن وجه تطبيق النص، ومن يطعن في قرار يشرح مخالفته. وبالمقابل، يتحمّل المدافع عن الإجراءات مسؤولية إثبات استيفائها شروطها. هكذا يستقيم النقاش، وتُتاح للقارئ فرصة الحكم على الحجج.
أما «لوائح الشرف»، فتستبق هذا البحث بمنح أحد المواقف تفوّقًا أخلاقيًا. والمشكلة في جعل الاختيار المؤسسي معيارًا لكرامة صاحبه؛ بما قد يضغط على استقلال الأعضاء، ويجعل خشية التصنيف حاضرةً في قراراتهم.
دار الفتوى مسؤولة عن قراراتها، وأعضاء المجلس مسؤولون عن مواقفهم، والنقد العلني جزء من مساءلتهم. لكن هذه المساءلة تستمدّ قوتها من الوقائع والنصوص والحجج، ويجب أن تشمل الحاضرين والمقاطعين بالمعيار نفسه.
فالحضور لا يمنح صاحبه براءةً مسبقة، والمقاطعة لا تمنح صاحبها شهادة شرف. وبينهما يبقى الميزان: ماذا فعل كلّ عضو، وما حجته، وأين موقفه من القانون ومصلحة المؤسسة؟









