لا يزال قطاع الاتصالات واحداً من أكثر القطاعات غرقاً في الفساد. صحيح أنّ الوزير شارل الحاج تحرّك بسرعة وتمكّن من إزاحة المدير السابق لشركة “تاتش” الذي ترك خلفه إرثاً ثقيلاً من الهدر بالملايين – وهو الملف الذي كان موقع “الكلمة أونلاين” سبّاقاً في فضحه – إلا أنّ المشكلة أعمق بكثير من مجرد تغيير اسم في أعلى الهرم.
فما بناه المدير السابق من “إمبراطورية فساد” لا يُهدم بجرّة قلم، بل يحتاج إلى نفضة جذرية تعيد هيكلة الشركة من القاعدة حتى القمّة.
ولذلك، إذا كان الوزير الحاج قد بدأ بـ”الشطف” من الأعلى، فالخطوة التالية يجب أن تكون التعقيم الكامل: طبقة طبقة، ودرجة درجة. فالمعركة مع الفساد في هذا القطاع ليست تجميلية، بل وجودية.
فضيحة الأرقام المميزة… شبكة محسوبية متجذّرة
أضخم الفضائح التي تفجّرت أخيراً هي فضيحة الأرقام المميزة التي تورّط فيها موظفون كبار وأقاربهم، بينما اكتفى المدير السابق بالتجاهل والصمت.
الإعلام أعاد تسليط الضوء على هذه القضية، لكن الشكاوى داخل الشركة تعود لسنوات، كانت تُطوى في الأدراج عمداً.
التدقيق كشف فضائح صارخة:
•كشف التدقيق عن موظفة المسؤولة حجزت مئات الأرقام المميزة ووزّعتها على أقاربها، ما حرم الشركة من ملايين الدولارات، قبل أن يعمد أقاربها إلى بيعها بأسعار خيالية.
• وأيضاً كشف عن مدير خدمة العملاء، استفاد بدوره من إصدار أرقام فاخرة باسمه وبأسماء شقيقاته، ثم نقلها إلى أطراف أخرى.
• وموظف الحجوزات في شركة تاتش
• وموظفين آخرين تابعين ..
الفضيحة لا تقف هنا. فقد أُنجزت بعض عمليات التحويل بنسخ غير أصلية عن الهويات، ومن دون حضور المالكين شخصياً، فيما تواقيع التنازل لم تتطابق مع تواقيع أصحاب الخطوط. حتى أن شكاوى قضائية رُفعت من زبائن تضرروا من هذه التجاوزات.
صمت إداري وتواطؤ مقصود
عام 2023، رُفعت شكاوى داخلية حول هذه الأرقام عبر البريد الإلكتروني، وصلت إلى الإدارة العليا، الشؤون القانونية والموارد البشرية، لكن النتيجة كانت لا تحقيق ولا مساءلة.
هذا التواطؤ سمح بتمدد الشبكة حتى انفجرت القضية إعلامياً عام 2024، لتكشف أن ما يجري ليس مجرد مخالفات إدارية، بل منظومة فساد متكاملة تتقاسم الغنائم وتغطي على بعضها البعض.
تزييف الحقائق ورمي التهم على الوزير
الأخطر من ذلك، أن عدداً من الموظفين الفاسدين الذين تورّطوا في عمليات التلاعب بالأرقام المميزة يحاولون اليوم تبرير أفعالهم ونسبها زوراً إلى الوزير الموّقع، بذريعة أن إصدار هذه الأرقام لا يتم إلا بتوقيعه.
لكن الحقيقة أن هذه التواقيع هي إجراء شكلي وإداري يتم بعد استكمال المعاملات من قبل الإدارات المختصة، ما يعني أن التلاعب حصل في مراحل التنفيذ الداخلية، قبل وصول المعاملات إلى مكتب الوزير.
بهذه الطريقة، يسعى المتورطون إلى الاحتماء وراء “الغطاء الوزاري” للهروب من المحاسبة، في مشهد يختصر بوضوح كيف تُدار منظومات الفساد حين تشعر بأن حبل العدالة بدأ يضيق حول رقبتها.
قرار الإحالة إلى الشركات… خطأ إداري فادح
في خضمّ هذه الفضيحة، وجّه الوزير الحاج قراراً إلى شركات الخليوي لتتولّى التحقيق واتخاذ الإجراءات بحق المتورطين.
لكنّ هذا الإجراء يثير علامات استفهام كبيرة: فكيف يمكن إحالة الملف إلى شركة يُشتبه أصلاً بأن بعض موظفيها متورطون في الفساد نفسه؟
إنّ ترك مهمة التحقيق بيد الجهة ذاتها التي يُحتمل أن تكون طرفاً في المشكلة يشكّل تضارباً واضحاً في المصالح، ويُفقد أي تحقيق مصداقيته وجدواه.
الخطوة الصائبة في مثل هذه الحالات هي أن تتولّى الوزارة بنفسها، أو عبر جهة رقابية مستقلة (مثل هيئة الشراء العام أو التفتيش المركزي أو ديوان المحاسبة)، فتح التحقيق ومحاسبة المسؤولين مباشرة، بدلاً من ترك “الذئب يحرس القطيع”.
فالإصلاح لا يُفوّض، والمحاسبة لا تُخصخص.
إدارة جديدة… عقلية قديمة
بدل أن تبادر الشركة والمدير العام الجديد إلى معالجة أصل المشكلة وقطع رأس الفساد وفتح صفحة جديدة نظيفة، انشغلوا في ملاحقة من يسرّب المعلومات إلى الإعلام، وكأنّ الخطأ في من كشف الحقيقة لا في من ارتكبها.
فبدل أن يكون الهدف تنظيف الشركة من الداخل، أصبح الهمّ الوحيد معرفة من تجرأ وكشف المستور.
بهذه الذهنية، لا يمكن بناء إصلاح حقيقي ولا تأسيس مرحلة شفافة، لأنّ من يخاف من تسريب الحقيقة، يخاف من الحقيقة نفسها.
نحو القضاء لا الاكتفاء بالوزارة
اليوم، لم يعد يكفي أن تبقى القضية محصورة بوزارة الاتصالات. ما ظهر هو جريمة إثراء غير مشروع تستوجب تحويلها فوراً إلى النيابة العامة.
وإذا كان الوزير الحاج قد نجح في إنهاء سطوة عيتاني، فعليه أن يستمر حتى اقتلاع “ديدان الفساد” التي عشّشت في جسد هذا القطاع.
قطاع الاتصالات يمكن أن يكون منجماً للدولة اللبنانية، لكنه تحوّل خزّاناً لتعبئة جيوب المحسوبين.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بتفكيك هذه الإمبراطورية الفاسدة، حتى يعود مردود القطاع إلى مكانه الطبيعي: خدمة المواطن، لا خدمة الفاسدين.
من الهدر إلى الإيراد العام… مفارقة صارخة
والمفارقة أنّه، بعد سنوات من التلاعب وبيع الأرقام المميزة بطرق ملتوية حرمت الخزينة من ملايين الدولارات، أعلنت شركة “تاتش” مؤخراً نتائج أول مزاد علني إلكتروني رسمي وشفاف لبيع الأرقام المميزة، جرى تحت إشراف الوزارة.
ففي الجولة الأولى التي أطلقتها الشركة بداية الشهر الجاري، تمّ بيع رقمين مميزين أحدهما “ذهبي” والآخر “برونزي”، ما درّ على الخزينة نحو 34,550 دولاراً أميركياً من عائدات المزاد والاشتراكات، في سابقة تعكس كيف يمكن لآلية نزيهة وعلنية أن تحوّل ما كان باباً للهدر إلى مورد فعلي للدولة.
بهذه الخطوة، أثبتت الوزارة أنّ المال العام لا يُحمى بالقرارات الورقية، بل بالشفافية والإدارة الرشيدة.
فحين تُغلق مزاريب الهدر، تتحوّل “الأرقام المميزة” من وسيلة لإثراء القلة إلى مصدرٍ مشروع يرفد الخزينة، ويعيد الثقة بقطاعٍ كان يوماً عنواناً للفساد.













