
لم يعد خافيًا على أحد أنّ الساحة السنيّة تُركت عمدًا في مهبّ العبث، تُدار بالوكلاء، وتُستنزف بالمزايدات، وتُغرق بالفوضى المقنّعة بشعارات “البديل” و”التغيير”. والنتيجة؟ تشرذم، ضياع بوصلة، وقيادات من كرتون تتقاتل على فراغ.
في هذا المشهد المأزوم، يكره كثيرون الاعتراف بالحقيقة، لكنها تفرض نفسها بقسوة: القرار الأخير لا يزال عند سعد الحريري، لا لأنّه “زعيم تقليدي”، بل لأنّه الشخصية السنيّة الوحيدة القادرة فعليًا على لمّ الشمل وإنهاء هذه المهزلة.
منذ غيابه القسري، لم يولد “البديل”. وبدل أن تملأ الساحة برجال دولة، امتلأت بأصوات عالية بلا وزن، وبطولات وهمية على شاشات التلفزة، ومشاريع شخصية تتغذّى من الانقسام. كل من ادّعى ملء الفراغ سقط في أول اختبار جدّي: اختبار الشارع، واختبار اللحظة، واختبار المسؤولية.
سعد الحريري، شئنا أم أبينا، هو آخر من يمتلك شبكة الثقة العربية والدولية، وآخر من يعرف كيف تُدار التسويات، وآخر من يستطيع جمع المتخاصمين لا شحنهم. أما الباقون، فإما هواة خطابات، أو محترفو تخريب، أو شهود زور على انهيار طائفتهم.
المفارقة أنّ الذين يهاجمون الحريري صباحًا ومساءً، هم أنفسهم الذين استفادوا من غيابه. هم أبناء الفوضى، لا ضحاياها. ولو عاد، لسقطت أقنعتهم دفعة واحدة، وانكشف حجمهم الحقيقي.
الشارع السني لا يحتاج إلى “زعيم جديد”، بل إلى عودة القرار. لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل إلى مرجعية توقف الانتحار الجماعي. وهذا القرار، مهما طال الهروب منه، سيعود إلى مكانه الطبيعي.
الكرة اليوم في ملعب سعد الحريري وحده. إن قرر، تغيّر المشهد. وإن صمت، ستستمر الفوضى، وسيبقى الآخرون يتقاسمون الخراب.
القرار ليس عند المتحمسين… القرار عند من يعرف ثمن القرار.










