
في السياسة اللبنانية، لا شيء يثير الضجيج أكثر من أولئك الذين ينصّبون أنفسهم أوصياء على العقول والطوائف، ويحتكرون صكوك الفهم والتحليل. اليوم، نردّ على هذه “النخبة الورقية” التي أدمنت التنظير من خلف الشاشات، وادّعت الحرص على الطائفة السنية أكثر من أهلها وناسها وتاريخها.
في الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لم يكن المشهد عادياً. لم يكن عابراً. لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً يُمرّر في نشرات الأخبار. كان مشهداً أربك الجميع في لبنان، وخصوصاً أولئك الذين اعتادوا تسويق رواية “الفراغ” وبيع وهم أن الساحة السنية بلا رأس ولا قرار ولا نبض.
تحت العواصف والمطر، لم يكن الجمهور يقرأ تحليلاتكم، بل كان يكتب موقفه. لم يكن ينتظر تفسيراتكم، بل كان يصنع معادلته الخاصة. الصدمة لم تكن في الحشود فقط، بل في الرسالة: هناك زعامة لا تُختصر بتغريدة، ولا تُمحى بحملة، ولا تُكسر ببيان مدفوع.
أما الذين يتباهون بـ”فهمهم العميق” ويزايدون في الحرص على الطائفة السنية، فليتفضلوا إلى المرآة.
الطائفة ليست نادياً ثقافياً تديرونه من صالوناتكم، ولا شركة مساهمة توزعون فيها الأسهم السياسية. الطائفة تاريخ، دم، تضحيات، ومشروع دولة. ومن ينسى ذلك، ينسى نفسه قبل أن ينسى الناس.
الرسالة كانت واضحة، قاسية، ومباشرة: القرار ليس عند من يرفع الصوت أكثر، بل عند من يملك الشرعية الشعبية.
والشرعية لا تُستورد، ولا تُفبرك، ولا تُستعار. هي تُنتزع من الناس، في لحظة اختبار حقيقية.
من ظنّ أن الزمن طوى صفحة سعد الحريري، اكتشف أن الصفحة لم تُقلب أصلاً.
ومن راهن على تشتت البيت السني، فوجئ بأن البيت يعرف عنوانه جيداً، حتى في أقسى العواصف.
قد لا يعجب هذا الكلام كثيرين. قد يثير غضب “خبراء المرحلة الانتقالية” و”منظّري ما بعد الحريرية”.
لكن الوقائع أقسى من رغباتهم: في السياسة، كما في الشارع، هناك لحظات تكشف الأحجام الحقيقية. والذكرى الحادية والعشرون كانت لحظة فرز واضحة.
الزعامة لا تُمنح بقرار ذاتي، ولا تُسحب بحملة منظمة. الزعامة تُحسم عندما يتكلم الناس. وقد تكلموا. بصوت عالٍ.
وإن كان لا بد من جملة أخيرة، فهي هذه: في الطائفة السنية، كما في المعادلة الوطنية الأوسع، لا يمكن القفز فوق الحقائق. ومن لا تعجبه النتيجة، فليُعد قراءة المشهد… لا قراءة رغباته.










