في لبنان، لا ينهار المبنى فجأة..ينهار على دفعات: إهمال، صمت، تبرير، ثم كارثة.
صيدا اليوم تعيش الهواجس نفسها التي عرفتها طرابلس. تصدّعات واضحة في الأبنية القديمة، تحذيرات هندسية، وقرارات إخلاء صدرت لحماية الأرواح. لكن بين القرار والإنقاذ فجوة كبيرة اسمها: الدولة الغائبة.
البلدية قامت بما عليها؟ ربما.
لكن ماذا بعد الإخلاء؟
هل يتحول المواطن فجأة إلى رقم في بيان؟
هل حماية الأرواح تعني رمي العائلات في المجهول؟
المدينة التي صمدت في وجه أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، تجد نفسها اليوم عاجزة أمام حجر يتفتت. والمفارقة المؤلمة أن الخطر ليس سرياً ولا مفاجئاً. الأبنية قديمة، الصيانة شبه معدومة، والرقابة غائبة منذ سنوات. الجميع يعلم… لكن لا أحد يتحرك إلا عندما يصبح الخطر عنواناً.
الناس لا تخاف من قرار الإخلاء بقدر ما تخاف من ما بعده.
إلى أين؟
من يعوّض؟
من يضمن ألا يتحول الإجراء الوقائي إلى تشريد صامت؟
الأسئلة تتكاثر، والجهات المعنية تتقاذف المسؤوليات. وزارة؟ بلدية؟ صندوق؟ جمعيات؟
وفي النهاية، يبقى المواطن وحده في مواجهة الجدار المتصدّع… والمصير المتصدّع معه.
الأخطر أن هذا المشهد بدأ يصبح عادياً.
نسمع عن تصدّعات، نقرأ عن إخلاءات، ننتظر سقوطاً، ثم ننتقل إلى خبر آخر.
كأن الانهيار أصبح جزءاً من يوميات البلد.
صيدا ليست حالة معزولة. هي إنذار مبكر جديد.
إنذار يقول إن أزمة السكن في لبنان لم تعد أزمة أسعار فقط، بل أزمة أمان إنشائي.
وإن كانت الأرواح تُنقذ بقرار سريع، فإن الكرامة لا تُنقذ ببيان مقتضب.
اليوم، المطلوب ليس فقط إخلاء مبنى، بل إخلاء عقلية كاملة من إدارة الأزمات.
خطة طوارئ واضحة. دعم فوري. مسح شامل لكل الأبنية المهددة. شفافية بالأرقام لا تطمينات إعلامية.
لأن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنهار هذه الأبنية؟
السؤال: كم مدينة يجب أن ترتجف قبل أن تتحرك الدولة فعلاً؟
صيدا تقف على حافة الخطر.
والوقت ليس للوعود… بل للقرار.
















