مع ظهور الأوبئة العالمية في العصور الحديثة، تبرز الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان كأحد أكبر التحديات الصحية، ويأتي فيروس هانتا (Hantavirus) كأحد أخطر هذه الفيروسات نظراً لشدته وتنوع مظاهره السريرية التي تفتك بالجهاز التنفسي أو الكلى.
مؤخراً، أعلنت منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في جنوب إفريقيا الاشتباه بتفشي عدوى فيروس “هانتا” النادر على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي ما أدى لمقتل 3 أشخاص وإصابة 3 آخرين على الأقل.
“هانتا” ليس فيروسا واحداً، بل مجموعة من الفيروسات تعيش طبيعياً داخل القوارض دون أن تُمرضها، لكنها قد تسبب أمراضاً خطيرة للإنسان. يهاجم غالباً الأوعية الدموية، ما يؤدي إلى تسرب السوائل ومشكلات في الرئتين أو الكلى.
لم يكن فيروس هانتا وليد الصدفة، بل ارتبطت تسميته وتاريخه بمحطات كبرى منها حرب كوريا (1951 – 1953) التي كانت نقطة التحول الكبرى، حيث أصيب أكثر من 3000 جندي من قوات الأمم المتحدة بمرض غامض تسبب في حمى ونزيف وفشل كلوي. عُرف المرض حينها باسم “حمى شوسان”. وفي عام 1976 نجح العالم الكوري لي هو وان في عزل الفيروس من فئران الحقول بالقرب من نهر هانتان في كوريا الجنوبية، ومن هنا جاءت تسمية “فيروس هانتا”.
بمجرد دخول الفيروس إلى الجسم عبر الرذاذ الملوث، يستهدف الخلايا المبطنة للأوعية الدموية. في حالات الإصابة الرئوية، يؤدي الفيروس إلى زيادة نفاذية الشعيرات الدموية في الرئتين بشكل مفرط، مما يسبب تسرب السوائل إلى الحويصلات الهوائية، وهو ما يفسر الغرق الداخلي الذي يشعر به المريض. وفي الحالات الكلوية، يحدث التهاب حاد في الأنسجة الخلالية للكلية، مما يؤدي إلى انخفاض مفاجئ في وظائفها وظهور النزيف.
تتطور الأعراض من مرحلة مبكرة تشمل الحمى، الصداع، الآلام العضلية، التعب، واضطرابات هضمية، إلى أعراض متقدمة تتمثل في السعال وضيق التنفس وامتلاء الرئتين بالسوائل، وصولاً إلى الفشل التنفسي أو الكلوي في الحالات الشديدة. ونظراً لعدم وجود علاج نوعي محدد للفيروس، يعتمد البروتوكول الطبي على الرعاية الداعمة، واستخدام الأكسجين أو أجهزة التنفس الصناعي، وغسيل الكلى للحالات المتضررة كلوياً.
بالنسبة لطرق العدوى، فهي تتمثل في استنشاق هواء ملوث ببول أو براز القوارض، أو ملامسة الأسطح الملوثة، ونادراً ما يحدث عبر العض أو الخدش، كما أنه لا ينتقل عادةً بين البشر إلا في حالات نادرة جداً. ينجم عن هذا الفيروس نوعان رئيسيان من الأمراض: متلازمة هانتا الرئوية (HPS) التي تصيب الرئتين وقد تكون قاتلة بنسبة وفيات تصل إلى 38%، والحمى النزفية مع المتلازمة الكلوية (HFRS) التي تؤثر على الكلى وتسبب النزيف.
غير أنّ الأطباء يواجهون صعوبة في التشخيص المبكر لأن الأعراض الأولية تشبه إلى حد كبير الإنفلونزا الموسمية. لكن يعتمد التأكيد المخبري على فحص ELISA أي الكشف عن الأجسام المضادة (IgM و IgG) الخاصة بالفيروس، وتقنية RT-PCR للكشف عن الحمض النووي للفيروس في دم المريض أو أنسجته.
وبسبب عدم وجود لقاح مرخص على نطاق عالمي واسع (باستثناء بعض اللقاحات في الصين وكوريا) أو علاج كيميائي مضاد للفيروسات أثبت فعالية مطلقة، تظل العناية المركزة هي حجر الزاوية والتي تكمن المراقبة الدقيقة لميزان السوائل في الجسم.
أخيراً، تعتبر السيطرة على البيئة المحيطة هي الدرع الأول وذلك من خلال تجنب التعرض للقوارض ومخلفاتها، سد الفتحات لمنع دخولها للمنازل، وتوخي الحذر الشديد عند تنظيف الأماكن الملوثة.













