قبل أن نطلب من أطفالنا أن يتعلموا… علينا أن نتأكد أنهم بخير

beirut News2 سبتمبر 2026
قبل أن نطلب من أطفالنا أن يتعلموا… علينا أن نتأكد أنهم بخير
الاستاذة جويل خالد طبّو حائزة على ماجستير إدارة مؤسسات تربوية - مديرة مشاريع حكومية.

مع بداية كل عام دراسي، تبدأ التحضيرات: حقائب جديدة، كتب، قرطاسية، زيّ مدرسي، جداول ومواعيد، واجتماعات تتناول كل التفاصيل المرتبطة بالعام الدراسي. لكن وسط كل هذه التحضيرات، هناك سؤال أساسي يجب ألا يغيب: هل هيّأنا الطفل وأسرته نفسيًا وتربويًا للعودة إلى المدرسة؟

بداية العام الدراسي يجب ألا تكون مجرد موعد لفتح أبواب المدارس، بل فرصة حقيقية لفتح أبواب الوعي أيضًا.

من هنا، أعتقد أن من الضروري أن تخصص كل مدرسة ساعة توعوية للأهالي قبل انطلاق العام الدراسي، ساعة لا نتحدث فيها عن الأقساط والكتب والدوام والامتحانات، بل عن الإنسان الذي سيجلس في مقعده داخل الصف: الطفل.

ساعة واحدة قد تكون قادرة على تغيير طريقة تعامل أسرة كاملة مع طفلها.

يجب أن نتحدث مع الأهل بصراحة ووعي عن الأطفال الذين تكشف التقييمات التربوية أو النفسية أنهم من ذوي الهمم أو يحتاجون إلى دعم تربوي أو تعليمي متخصص. يجب أن يفهم الأهل أن اكتشاف احتياجات طفلهم ليس فضيحة، وليس عيبًا، وليس حكمًا على مستقبله.

على المدرسة أن تقول للأهل بوضوح: إذا اكتشفنا أن طفلك يحتاج إلى دعم إضافي، فنحن لا نضع عليه وصمة، بل نفتح له بابًا جديدًا نحو التعليم المناسب.

الاختلاف ليس عيبًا، والتشخيص ليس حكمًا، وطلب المساعدة ليس ضعفًا.

كل طفل لديه قدراته الخاصة، وقد يحتاج بعض الأطفال إلى وقت أطول، أو أسلوب مختلف في التعليم، أو متخصص يساعدهم على تجاوز بعض التحديات. مسؤوليتنا ليست أن نجعل جميع الأطفال متشابهين، بل أن نمنح كل طفل الفرصة التي تناسب قدراته واحتياجاته.

وهنا يأتي دور المدرسة في طمأنة الأهل، لا في تخويفهم، وفي توعيتهم، لا في تحميلهم الشعور بالذنب.

لكن ساعة التوعية يجب ألا تتوقف عند هذا الحد.

علينا أن نتحدث أيضًا عن العنف المنزلي، بكل أشكاله.

لأن العنف ليس فقط ضربة.

العنف قد يكون كلمة.

قد يكون إهانة.

قد يكون تهديدًا.

قد يكون صراخًا متكررًا.

قد يكون تحقيرًا للطفل.

وقد يكون مشاهد يومية يعيشها الطفل عندما يشاهد والديه يتشاجران أمامه.

بعض الأهالي يعتقدون أن الطفل لا يفهم الخلافات بين الكبار، وأنه سينسى ما حدث بعد دقائق. لكن الطفل قد لا يفهم أسباب الخلاف، إلا أنه يشعر بالخوف، ويفهم نبرة الصوت، ويرى الغضب، ويسمع الكلمات، ويتأثر بالصورة التي تتكرر أمامه.

عندما يعيش الطفل في منزل مليء بالصراخ والخلافات والإهانات، قد يدخل إلى المدرسة وهو يحمل معه خوفًا لا نراه، وتوترًا لا نعرف مصدره، وغضبًا لا يعرف كيف يعبّر عنه.

ثم نسأل: لماذا أصبح عدوانيًا؟ لماذا أصبح صامتًا؟ لماذا لا يركز؟ لماذا تراجع مستواه الدراسي؟ لماذا تغير سلوكه؟

أحيانًا، لا تكون المشكلة في الصف.

أحيانًا يكون الطفل قد ترك جزءًا من نفسه في المنزل.

ولهذا يجب أن يفهم الأهل أن الخلافات لا ينبغي أن تتحول إلى مشهد يومي أمام الأطفال. وإذا حدث خلاف، فهناك فرق كبير بين أن يختلف الأب والأم بطريقة محترمة وبين أن يتحول المنزل إلى ساحة صراخ وتهديد وإهانات.

نحن لا نطلب من الأهل أن يكونوا مثاليين؛ فالاختلاف جزء من الحياة، لكننا نطلب منهم أن يكونوا مسؤولين عن الطريقة التي يختلفون بها أمام أطفالهم.

كما يجب أن نتحدث عن العنف اللفظي الذي أصبح للأسف عاديًا في بعض البيوت.

عبارات مثل “أنت فاشل”، “أنت غبي”، “لن تصبح شيئًا”، “انظر إلى غيرك”، قد تبدو للبعض مجرد كلمات قيلت في لحظة غضب، لكنها بالنسبة إلى طفل قد تتحول إلى صوت داخلي يرافقه سنوات.

الطفل الذي يسمع باستمرار أنه لا يستطيع، قد يتوقف عن المحاولة.

والطفل الذي يُقارن دائمًا بغيره، قد يبدأ في كره نفسه بدلًا من تطوير نفسه.

والطفل الذي يخاف من الخطأ، لن يكون طفلًا مبدعًا؛ لأنه سيتعلم أن الخطأ عقوبة، لا فرصة للتعلم.

لذلك، قبل أن نطالب أبناءنا بالعلامات المرتفعة والانضباط والنجاح، علينا أن نسأل أنفسنا: هل أعطيناهم البيئة التي تساعدهم على النجاح؟

هل يسمعون في المنزل كلمة “أحسنت”؟

هل يعرفون أن بإمكانهم الحديث معنا عندما يخافون؟

هل يشعرون أنهم يستطيعون ارتكاب خطأ دون أن يخسروا حبنا؟

هل نسمعهم فعلًا، أم أننا نكتفي بإعطائهم الأوامر؟

هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا من الاستعداد للعام الدراسي.

المدرسة ليست مبنى فقط، والمعلم ليس موظفًا فقط، والأهل ليسوا جهة تدفع الأقساط فقط.

هناك شراكة تربوية حقيقية يجب أن تقوم بين المدرسة والأسرة، أساسها مصلحة الطفل.

ولهذا، فإن تخصيص ساعة توعوية للأهل قبل بداية العام الدراسي ليس ترفًا ولا نشاطًا جانبيًا. إنها استثمار في الطفل، وفي الأسرة، وفي المجتمع كله.

نحتاج إلى مختصين يتحدثون مع الأهل عن التربية الإيجابية، والصحة النفسية، والعنف، والتنمر، والعنف اللفظي، والخلافات الأسرية أمام الأطفال، واكتشاف التغيرات السلوكية، والتعامل الصحيح مع الأطفال من ذوي الهمم، وأهمية طلب الدعم المتخصص عندما يحتاج الطفل إليه.

نحتاج إلى أن ننتقل من ثقافة “لا أريد أن يقول الناس إن طفلي مختلف” إلى ثقافة “أريد أن يحصل طفلي على ما يحتاج إليه”.

ومن ثقافة “لا تخبروا أحدًا” إلى ثقافة “دعونا نساعد طفلنا”.

ومن ثقافة العقاب إلى ثقافة الفهم.

ومن ثقافة الخوف إلى ثقافة الأمان.

ومن ثقافة المقارنة إلى ثقافة الاحتواء.

فلنجعل بداية العام الدراسي بداية مختلفة.

لا نريد أن نرى فقط أطفالًا بملابس مدرسية جديدة وحقائب جديدة.

نريد أن نرى أطفالًا يدخلون مدارسهم وهم يشعرون بالأمان.

نريد طفلًا يعرف أن اختلافه لا يقلل من قيمته.

نريد طفلًا يستطيع أن يقول “أنا خائف” دون أن يُسخر منه.

نريد طفلًا يستطيع أن يقول “أنا بحاجة إلى مساعدة” دون أن يشعر بالخجل.

نريد طفلًا يعود إلى منزله فلا يخاف من الصراخ.

ونريد أهلًا يدركون أن التربية ليست توفير الطعام والملابس والتعليم فقط؛ التربية أمان، واحتواء، واحترام، واستماع، ومسؤولية.

فلنهيّئ أهلنا قبل أن نهيّئ أطفالنا للمدرسة.

لأننا إذا أردنا جيلًا يتعلم، فعلينا أن نبني له بيئة آمنة.

وإذا أردنا جيلًا ناجحًا، فعلينا أن نعلّمه أن قيمته لا تتوقف على علامة.

وإذا أردنا جيلًا قويًا، فعلينا ألا نربيه على الخوف.

فالطفل الذي يشعر بالأمان يستطيع أن يتعلم.

والطفل الذي يشعر بالقبول يستطيع أن يتطور.

والطفل الذي يجد من يفهمه يستطيع أن يبدع.

وفي النهاية، أعظم ما يمكن أن نقدمه لأطفالنا مع بداية كل عام دراسي ليس حقيبة جديدة ولا كتابًا جديدًا، بل رسالة واضحة تقول لهم:

أنت مهم.
أنت محبوب.
أنت لست وحدك.
واختلافك لا ينقص من قيمتك.
ونحن هنا لنساعدك، لا لنحكم عليك.

هذه هي البداية الحقيقية للمدرسة.

وهذه هي التربية التي تستحقها أجيا

المصدر بيروت نيوز