ماذا كشف إنذار الطاعون في روسيا عن جاهزية العالم لمواجهة الأوبئة؟

beirut News15 أكتوبر 2026
ماذا كشف إنذار الطاعون في روسيا عن جاهزية العالم لمواجهة الأوبئة؟


أفاد تقرير نشره موقع “أكسيوس” (Axios) الأميركي بأن المخاوف الأخيرة من انتشار الطاعون في روسيا، والتي يبدو أنها لم تكن سوى إنذار كاذب، كشفت عن ثغرات مهمة في استعداد العالم لمواجهة الأوبئة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بغياب الشفافية لدى بعض الدول بشأن الحوادث البيولوجية المحتملة. 

وأشار التقرير إلى أن خطط الاستجابة الفعّالة لتفشي الأمراض تتطلب تحركاً فورياً يستهدف العامل الممرض المسؤول عن التهديد، لكن تحديد هذا العامل قد لا يكون ممكناً في المراحل الأولى، ما يعقّد عملية احتواء الخطر.

وأوضح أن وفاة باحثة روسية شابة إثر إصابتها بالتهاب رئوي أثارت سؤالين أساسيين على المستوى الدولي: ما العامل الممرض الذي تسبب بوفاتها؟ وهل انتقل إلى أشخاص آخرين؟

وبحسب التقرير، يبدو أن الإجابة عن السؤال الثاني هي النفي حتى الآن، إذ اتخذت روسيا إجراءات شملت فرض الحجر الصحي في عدد من المنشآت الطبية ومراقبة نحو 200 شخص من المخالطين للباحثة، ما ساهم في احتواء أي انتشار محتمل، إن كان هناك خطر حقيقي من الأساس.

لكن بعد مرور نحو أسبوعين على وفاتها، لم يكن السبب الحقيقي للوفاة قد اتضح بعد، فيما أثارت طريقة تعامل السلطات الروسية مع الحادثة تساؤلات إضافية بدلاً من تقديم إجابات واضحة. ويعتقد خبراء كثيرون أن روسيا تعرف طبيعة العامل الممرض ، لكن من غير المرجح أن تكشف عنه للمجتمع الدولي.

 

مخاطر بيولوجية تتجاوز حدود الدول

ولفت التقرير إلى أن مسببات الأمراض القادرة على التسبب بأوبئة واسعة قد تكون طبيعية المنشأ، أو ناتجة من أنشطة مخبرية متعمدة أو عرضية. وفي كل هذه الحالات، يبقى احتمال امتناع الدولة المعنية عن الاعتراف بما حدث قائماً.

وبناءً على ذلك، شدد التقرير على ضرورة أن تكون الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع تهديدات بيولوجية ناشئة، حتى في غياب معلومات فورية عن طبيعة العامل الممرض أو كيفية انتشاره.
ونقل “أكسيوس” عن جيري باركر، الذي شغل منصب مساعد خاص للرئيس ومدير أول للأمن البيولوجي والاستجابة للأوبئة في بداية الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، ويشغل حالياً منصب العميد المشارك لمبادرة “الصحة الواحدة عالمياً” في جامعة تكساس إيه آند إم، قوله إن على العالم الاستعداد للتعامل مع هذا النوع من المخاطر المجهولة.

وذكر التقرير أن العاملة المتوفاة كانت تعمل في معهد أبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى، وأن تقارير أولية تحدثت عن إصابتها بالطاعون الرئوي إثر حادث داخل المختبر.

إلا أن روسيا أبلغت منظمة الصحة العالمية بأنها لم تسجل أي إصابة بالطاعون في المنطقة خلال الفترة الأخيرة، كما أفادت بأن الفحوص التي أُجريت للمخالطين لم تكشف عن مسببات أمراض عالية الخطورة، وأن المختبر لم يشهد أي حوادث تتعلق بالأمن البيولوجي.

وأشار التقرير إلى أن تفاصيل الوفاة لا تتطابق، وفق خبراء، مع الصورة المعتادة للإصابة بالطاعون الرئوي، فيما يثير غياب المعلومات مخاوف من احتمال وجود أسباب أكثر خطورة، من بينها التعرض لعامل ممرض جرى تطويره في إطار أبحاث تجريبية أو برامج مرتبطة بالأسلحة البيولوجية، رغم عدم وجود تأكيد لذلك.

ولفت “أكسيوس” إلى أن احتمال ارتباط الحادثة بأبحاث مخبرية عالية الخطورة أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن منشأ فيروس كورونا، الذي لم يُحسم بشكل نهائي، وسط فرضيات تربطه بأبحاث مخبرية تتعلق بزيادة قدرة الفيروسات على الانتشار أو إحداث المرض.

ورغم الانتقادات التي واجهتها الصين بسبب عدم شفافيتها بشأن منشأ جائحة كورونا، نشر علماء صينيون في نهاية المطاف التسلسل الجيني للفيروس، ما أتاح للباحثين حول العالم العمل على تطوير الفحوص والعلاجات واللقاحات.

ونقل التقرير عن جينيفر نوزو، مديرة مركز الأوبئة في كلية الصحة العامة بجامعة براون، قولها إن الصين كانت أكثر انفتاحاً وشفافية مقارنة بروسيا.

 

الذكاء الاصطناعي يزيد مخاطر الحوادث المخبرية

وبحسب التقرير، فإن انتشار المختبرات عالية الخطورة حول العالم، بالتزامن مع تطور الذكاء الاصطناعي الذي يتيح لعدد أكبر من الأشخاص إجراء أبحاث متقدمة، يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بالحوادث المخبرية والتسربات البيولوجية.

ونقل “أكسيوس” عن أشيش جها، الذي تولى تنسيق الاستجابة لجائحة كورونا في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، ويشارك حالياً في تأسيس شركة “BioRadarUSA”، تحذيره من احتمال تزايد هذه الحوادث في المستقبل.
وأشار جها إلى أن الاعتماد على أمل التزام الدول بالشفافية والإبلاغ السريع عن الحوادث لا يشكل استراتيجية كافية لحماية السكان، داعياً الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف من الدول المستعدة لتبادل المعلومات عند وقوع حوادث تتعلق بالأمن البيولوجي، بما قد يشكل ضغطاً على الدول الأخرى للانضمام إليه.

كما شدد على ضرورة الانتقال نحو تعزيز القدرات الدفاعية البيولوجية، بدلاً من افتراض أن جميع الدول ستكشف تلقائياً عن أي حادث يقع داخل حدودها.

دعوات إلى شبكة عالمية للمراقبة البيولوجية

وشدد خبراء، بحسب التقرير، على أهمية تعزيز الدبلوماسية الدولية، ولا سيما في العلاقات مع الدول التي تختلف معها الولايات المتحدة سياسياً، والعمل على وضع آليات تلزم الدول بالإبلاغ عن الحوادث البيولوجية المثيرة للقلق.

وأكد جيري باركر ضرورة وجود واجب للإبلاغ حتى في الحالات التي لا تزال تفاصيلها غير واضحة، فيما شددت نوزو على أهمية الدبلوماسية الصحية والعلمية في بناء جسور التواصل بين الباحثين، بما يسمح بفهم طبيعة الأبحاث الجارية واكتشاف المؤشرات غير الاعتيادية.

لكن التقرير رأى أن الدبلوماسية وحدها لا تكفي، نظراً إلى اعتمادها على تعاون الدول، داعياً إلى إنشاء شبكة عالمية للمراقبة البيولوجية قادرة على اكتشاف مسببات الأمراض الجديدة.

ومن شأن هذه الشبكة أن تتيح تتبع انتشار أي عامل ممرض بسرعة، حتى في حال امتنعت الدولة التي ظهر فيها عن مشاركة المعلومات اللازمة.

وخلص التقرير إلى أن العالم قد لا يعرف أبداً ما الذي حدث فعلياً في روسيا قبل أسابيع، لكنه اعتبر أن الحادثة تشكل تذكيراً بضرورة تحسين التنسيق الدولي وتعزيز أنظمة الأمن البيولوجي، في ظل مخاطر يُرجح أن تتزايد مستقبلاً.