في بيروت الطريق الجديدة، لم تسقط فتاة من الطابق الخامس فقط سقطت معها الكرامة، والمسؤولية، والحقيقة.
هي لم تكن موظفة عند “المدام”، ولا عبدة في منزل أحد. كانت تعمل على حسابها، من شقة إلى شقة، تنظف لتكسب لقمة، وتجمع ثمن دواء والدتها المريضة. لا ضمان، لا حماية، لا هيكل يحميها. فقط جسدٌ أنهكه التعب، ورجاءٌ في قلبها ألا تُغلق الحياة كما أُغلقت الأبواب في وجه أمها.
في ذلك اليوم، كانت تنظف. لا أكثر. الشقة فارغة. لم يكن هناك أحد. وقفت على الشرفة لتنجز ما اعتادت أن تنجزه مئات المرات من قبل. لكنها هذه المرة انزلقت. وسقطت. وماتت.
وفجأة… صار الموت “انتحارًا”.
صار صوت الضربة على الأرض أخفّ من همس الجيران.
”هربت”، قالوا. “ما قدرت تتحمّل”، قال آخرون.
كأنهم لا يحتملون فكرة أن أحدًا يُقتل بالإهمال، لا بالقرار.
لكن الحقيقة أوضح من الدم على الإسفلت:
لم تهرب.
لم تنتحر.
لم تكن ضعيفة.
بل كانت أقوى من مدينة كاملة، تعمل وحدها، وتصرف على والدتها، وتواجه الحياة من دون غطاء، ولا ظهر، ولا راتب آخر الشهر.
المجرم هنا ليس انزلاق قدم. المجرم هو من جعل فتاة تقف وحدها في شرفة عالية بدون أدوات أمان. المجرم هو نظام يرى هذه القصص كـ”تفاصيل”، وجمهور يتفنن في التحليل الرخيص قبل أن يمدّ يده للمساعدة.
ماتت وهي تعمل. ماتت شريفة. ماتت لأننا لا نملك منظومة تحمي من يعمل بصمت، من يعيش في الظل.
فلا تقولوا انتحرت. قولوا: سقطت ضحية بلد لا يسند أحدًا.
من الطابق الخامس… سقطت وماتت “قالوا انتحرت” لكن الحقيقة أفظع













