تستمر الحملة الممنهجة التي تستهدف وزارة الاتصالات، حتى باتت فصولها مكشوفة للجميع. آخر هذه المحاولات كان بياناً صادراً عن ما يسمى “المنتدى الإسلامي الوطني”، الذي حمل في طياته فبركة واضحة وتضليلًا فجاً. صور البيان تغيير موظف بآخر من الطائفة نفسها على أنه استهداف للطائفة السنية بأكملها، في حين الحقيقة تؤكد أن التركيبة الطائفية للوزارة وشركتي الهاتف الخلوي لم تتأثر إطلاقاً.
ووفقاً للمعلومات، فإن الموظف الذي يقف خلف هذه الحملة هو من تقرر تغييره، وهو ما يفسر إثارته لكل هذه الضجة، حتى لو أدت الحملة إلى إشعال فتنة طائفية.
التركيبة الطائفية في الوزارة
من المفارقات الصارخة أن هيكلية وزارة الاتصالات لا تضم أي مدير عام من الطائفة الشيعية، ولم يُسجل أي اعتراض من أبناء هذه الطائفة. والأغرب أن البعض يرفع راية “المظلومية السنية” رغم أن أهم المناصب في الوزارة يشغلها شخصيات من الطائفة السنية الكريمة، وهو ما ينفي عملياً أي ادعاء بوجود نية للعزل أو التهميش. كما أن التغيير المرتقب في شركة “تاتش”، وفق المعلومات المتوفرة، لن يتجاوز تبديل أسماء الأشخاص دون المساس بالتوازن الطائفي.
جوهر الأزمة: ملفات الحوكمة والصفقات
الحقيقة التي يحاول البعض طمسها هي أن القضية ليست طائفية، بل تتعلق بإدارة القطاع. الوزير شارل الحاج بدأ بمراجعة دقيقة لملفات الحوكمة والعقود التشغيلية والصيانة، بعد ظهور شبهات سوء إدارة في ملف NGBSS، تسبب بها المدير العام سالم عيتاني. هذا الأمر أدى إلى عرقلة إنجاز ملفات أساسية، وتزامن مع دعوى قضائية رفعها الوزير السابق جوني القرم ضد عيتاني في ملفي NGBSS وA2P، استناداً إلى وثائق تثبت الإهمال المتعمد وسوء الإدارة.
البعد القانوني والسياسي
لا يمكن فصل هذه الحملات الإعلامية عن خلفياتها السياسية. إنها تندرج ضمن التحريض المذهبي الموصوف، الذي يعاقب عليه القانون. فالمادة 317 من قانون العقوبات تنص بوضوح على أن “كل فعل من شأنه أن ينال من الوحدة الوطنية أو يعكر الصفاء بين عناصر الأمة يعتبر جريمة جزائية”. لذلك، يجب أن يعتبر كل بيان من هذا النوع بمثابة إخبار للقضاء، للتحقيق في خلفيته، ومن يقف وراءه، ومحاسبة المتورطين.
ما يجري اليوم ليس أكثر من محاولة يائسة لخلط الأوراق عبر استدعاء لغة الطوائف، بدل مواجهة الحقائق: سوء الإدارة، والفساد، والتسويف. التحدي الحقيقي أمام وزارة الاتصالات هو استكمال مسار الإصلاح الذي بدأه الوزير شارل الحاج، وإعادة القطاع إلى مسار الشفافية والإنتاجية، بعيداً عن صراخ المظلومية المصطنعة، التي لا تخدم سوى أصحاب الصفقات المشبوهة.













