في وقت تبدو فيه غالبية المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان شبه خالية من سكانها تحت وطأة الإنذارات الإسرائيلية المتكررة، يتحوّل مخيم شاتيلا ومعه مخيم مار الياس إلى ملاذٍ اضطراري لعائلات فلسطينية ولبنانية نزحت من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية، بحثاً عن حدٍّ أدنى من الأمان وسط اتساع رقعة الحرب.
فمخيمات صور، ولا سيما مخيم الرشيدية ومخيم برج الشمالي ومخيم البص، شهدت حركة نزوح واسعة بعد إدراجها ضمن مناطق التهديد المباشر، الأمر الذي دفع بالعشرات من العائلات إلى شدّ الرحال نحو بيروت، حيث أعادت مخيماتها فتح أبوابها أمام موجة لجوء جديدة تُضاف إلى تاريخ طويل من النزوح المتكرر.
اكتظاظ فوق الاحتمال… وبنية تحتية على حافة الانهيار
بعد مرور أسابيع على اندلاع المواجهات، تبدو أزقة شاتيلا أكثر ازدحاماً من أي وقت مضى. المخيم الذي حمل ذاكرة الحروب منذ سبعينيات القرن الماضي، يعيش اليوم مشهداً جديداً من التهجير، تختلط فيه وجوه اللجوء الفلسطيني القديم بوجوه النزوح الحديث، وسط واقع خدماتي هش طالما حذّرت منه وكالة الأونروا التي وصفت بنيته التحتية مراراً بأنها تقترب من حافة الانهيار.
ورغم محدودية الإمكانات، أعلنت فعاليات المخيم حالة طوارئ غير معلنة منذ الأيام الأولى للنزوح، حيث استُقبلت عائلات داخل المنازل وفي مراكز إيواء مؤقتة على أطراف المخيم وداخله، في محاولة لاحتواء الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
إحدى نقاط الإيواء على أطراف المخيم تستضيف وحدها أكثر من 1200 نازح، في مؤشر واضح على حجم الضغط المتزايد الذي تتحمله المخيمات في العاصمة، مقارنة بقدراتها المحدودة أساساً.
“أمان نسبي”… في مدينة بلا ضمانات
رغم غياب أي ضمانات حقيقية في ظل التصعيد العسكري المستمر، يرى عدد من أبناء المخيم أن شاتيلا لا يزال يوفر مستوى “مقبولاً نسبياً” من الأمان مقارنة بالمناطق التي طاولتها الإنذارات المباشرة جنوباً.
ويشير أبناء المخيم إلى أن تراجع أعداد النازحين السوريين خلال الأشهر الماضية خفّف جزئياً من الضغط الديموغرافي، إلا أن موجة النزوح الجديدة من مخيمات الجنوب أعادت رفع مستوى الاكتظاظ مجدداً، وإن لم يصل بعد إلى مستويات السنوات السابقة.
مخيمات بيروت… الخيار الأخير
بالنسبة للعديد من النازحين، لم يكن التوجه إلى مخيمات بيروت خياراً مفضلاً، بل خياراً اضطرارياً بعد امتلاء مراكز الإيواء الرسمية المخصصة للبنانيين منذ الأيام الأولى للحرب.
ويؤكد عدد من الوافدين الجدد أن الطريق إلى بيروت جاء بعد استنفاد كل البدائل الممكنة، خصوصاً مع تصاعد وتيرة الإنذارات التي أعلنها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي وشملت مناطق واسعة جنوب الليطاني ومدينة صور ومحيطها، ما دفع بعائلات كاملة إلى النزوح السريع نحو العاصمة.
لماذا بيروت وليس صيدا هذه المرة؟
اللافت في موجة النزوح الحالية أن الوجهة الأساسية كانت مخيمات بيروت أكثر من مخيمات صيدا، بعدما تعرّضت الأخيرة لضربات في الأيام الأولى من الحرب، ما جعلها بنظر كثيرين منطقة غير مستقرة أمنياً، وبوضع مشابه نسبياً لمخيمات صور التي كانت هدفاً مباشراً للإنذارات.
وهكذا يجد مخيم شاتيلا نفسه مرة جديدة في قلب المشهد الإنساني اللبناني: مخيم صغير المساحة، كبير الأعباء، يستقبل موجة نزوح جديدة فوق ذاكرة نزوح لم تنتهِ منذ عقود.













