يدخل لبنان النصف الثاني من عام 2026 مثقلاً بخسائر اقتصادية غير مسبوقة، بعدما تحوّل النصف الأول من السنة إلى واحدة من أكثر المراحل كلفة منذ اندلاع الأزمة المالية في عام 2019. فالحرب وما رافقها من دمار واسع، وتعطل في القطاعات الإنتاجية، وتراجع حركة الاستثمار والسياحة، وضعت الاقتصاد اللبناني أمام اختبار جديد، بعدما كان قد بدأ يسجل مؤشرات تعافٍ خجولة خلال عام 2025.
وتجمع معظم التقديرات الاقتصادية على أن الأشهر الستة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان لبنان سيتجه نحو مرحلة استقرار تدريجي، أم نحو أزمة أكثر عمقاً، خصوصاً أن كل المؤشرات باتت مرتبطة بالتطورات الأمنية والسياسية أكثر من ارتباطها بالعوامل الاقتصادية التقليدية.
وعلى الرغم من ان بداية عام 2026 حملت توقعات إيجابية نسبياً، إذ رجّحت مؤسسات دولية أن يحقق الاقتصاد اللبناني نمواً يقارب 4%، مستنداً إلى تحسن السياحة، واستمرار تدفق تحويلات المغتربين، وبدء تنفيذ بعض الإصلاحات، إضافة إلى توقعات بإطلاق مشاريع إعادة إعمار محدودة، الا ان عودة التصعيد العسكري قلبت هذه التوقعات بالكامل، إذ تعرضت البنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية لضربات مباشرة، فيما تعطلت الحركة التجارية، وانخفضت القدرة الشرائية، وتوقفت استثمارات جديدة كانت تنتظر تحسن المناخ السياسي.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة قد يصل إلى نحو 20 مليار دولار، فيما قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 7 و10% إذا استمرت الظروف الحالية.
يرى خبراء الاقتصاد أن النصف الثاني من العام سيتحدد وفق ثلاثة متغيرات رئيسية.
أولها، الوضع الأمني. فوقف التصعيد بشكل مستدام سيعيد فتح الأسواق تدريجياً، ويسمح بعودة النشاط التجاري والسياحي، فيما سيؤدي استمرار المواجهات إلى مزيد من الانكماش وإقفال المؤسسات وخروج الرساميل.
أما العامل الثاني، فيتمثل في سرعة إطلاق ورشة إعادة الإعمار. فلبنان يحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، فيما لا تزال قدرة الدولة المالية شبه معدومة، ما يجعل أي عملية نهوض مرتبطة بحجم المساعدات الدولية والخليجية، وبمدى التقدم في الإصلاحات المطلوبة.
أما العامل الثالث فهو الإصلاحات المالية. فالمجتمع الدولي لا يزال يعتبر أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح المالية العامة، والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي تشكل المدخل الأساسي لأي دعم اقتصادي واسع، فيما يبقى التأخير في هذه الملفات من أبرز عناصر المخاطرة.
وبحسب الخبراء الاقتصاديون فان السيناريو الأكثر تفاؤلاً يفترض تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء تنفيذ مشاريع إعادة إعمار تدريجية، واستعادة جزء من الحركة السياحية خلال الصيف والخريف، بالتوازي مع تدفق مساعدات خارجية.
في هذه الحالة، قد يتمكن الاقتصاد من الحد من الخسائر، مع تحسن تدريجي في قطاعات الخدمات والتجارة والعقارات، واستقرار نسبي في سعر صرف الليرة، إضافة إلى ارتفاع الطلب المحلي نتيجة بدء عمليات إعادة البناء.
إلا أن هذا السيناريو يبقى مشروطاً بوجود استقرار سياسي وأمني، وبقدرة الحكومة على تنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها المانحون.
في المقابل، يرجح عدد من الاقتصاديين سيناريو أكثر واقعية يقوم على استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، حيث تتوقف العمليات العسكرية الواسعة، لكن من دون التوصل إلى تسوية نهائية.
في هذا الوضع، سيبقى المستثمرون مترددين، وستواصل المؤسسات العمل بأقل من طاقتها، فيما تستمر الضغوط على المالية العامة، ويظل الاقتصاد معتمداً بصورة شبه كاملة على تحويلات اللبنانيين في الخارج، وعلى الاقتصاد النقدي الذي أصبح يشكل العمود الفقري للنشاط الاقتصادي.
وسيؤدي ذلك إلى استمرار معدلات البطالة المرتفعة، وتراجع الاستهلاك، وتأجيل مشاريع استثمارية كان يمكن أن توفر فرص عمل جديدة.
أما في حال تجدد المواجهات العسكرية على نطاق واسع، أو تعثر المسار السياسي الداخلي، أو فشل الدولة في تأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار، فقد يدخل عندها الاقتصاد مرحلة انكماش جديدة، مع تراجع الإيرادات العامة، وارتفاع معدلات الفقر، وإقفال المزيد من المؤسسات، إضافة إلى موجة جديدة من هجرة الكفاءات ورؤوس الأموال، وهو ما حذرت منه تقارير دولية اعتبرت أن آفاق الاقتصاد اللبناني تبقى شديدة الهشاشة وترتبط مباشرة بمسار النزاع والإصلاحات.
وعليه، لن يكون النصف الثاني من عام 2026 مجرد امتداد للنصف الأول، بل سيكون مرحلة مفصلية تحدد ما إذا كان لبنان سينجح في تحويل الخسائر إلى فرصة لإعادة البناء، أو سيدخل دورة جديدة من الانكماش الاقتصادي قد تطيل أمد الأزمة لسنوات إضافية.












