عون يعود من واشنطن… وحزب الله يفتح باب الحسابات الجديدة

beirut News22 يوليو 2026
عون يعود من واشنطن… وحزب الله يفتح باب الحسابات الجديدة


أنهى رئيس الجمهورية جوزاف عون زيارته إلى واشنطن بعدما حملت معها رهانات سياسية كبيرة، في ظل مرحلة شديدة الحساسية يعيشها لبنان ومسار تفاوضي يُفترض أن يرسم جزءاً أساسياً من مستقبل البلاد والجنوب تحديداً. وبين الحفاوة التي أحاط بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضيفه اللبناني، والنتائج التي أُعلن عنها بعد اللقاء، بدأت الأسئلة سريعاً حول الحصيلة الفعلية للزيارة، وما إذا كانت واشنطن قدّمت للبنان ما يوازي حجم التوقعات التي سبقتها، أو ما يبرر المسار الذي سلكته الدولة اللبنانية خلال الأشهر الماضية.








وبعيداً عن المشهد البروتوكولي وما حمله من رسائل، يبقى النقاش الفعلي حول الحصيلة السياسية للزيارة وما سبقها من مسار طويل من الالتزامات اللبنانية. فبالنسبة إلى معارضي هذا المسار، لا تكمن المشكلة في الزيارة بحد ذاتها، ولا في اللقاء مع الرئيس الأميركي، بل في اختلال الميزان بين ما قدّمه لبنان خلال المرحلة الماضية وما حصل عليه في المقابل، في وقت لا تزال فيه المطالب اللبنانية الأساسية، من وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأسرى ووقف الانتهاكات اليومية للسيادة اللبنانية، من دون نتائج ملموسة.

وتفصل مصادر “حزب الله”، في تقييمها للزيارة، بين الشكل والمضمون. فمن حيث الشكل، ترى أن ترامب أظهر حفاوة واضحة بعون، وابتعد خلال اللقاء عن الأسلوب الاستفزازي الذي اعتاد اعتماده في تعاطيه مع عدد من الزعماء، إلا أن التقييم يتغير بالكامل عند الحديث عن المضمون. فبحسب المصادر، لا يمكن وضع ما قيل إن لبنان قد حصل عليه من واشنطن في كفة واحدة مع حجم التنازلات والالتزامات التي قدمها خلال المرحلة الماضية، خصوصاً أن بعضها يرتبط مباشرة بالسيادة، وبمستقبل الجنوب، وبالترتيبات التي يُراد تثبيتها للمرحلة المقبلة.

وتعتبر المصادر أن المشكلة تصبح أكبر إذا كان المطلوب من اللبنانيين التعامل مع الصورة التي خرج بها اللقاء على أنها تعويض سياسي عن هذا المسار. فلبنان دخل مرحلة من القرارات والالتزامات الثقيلة، لكنه لم يحصل في المقابل حتى على تعهد أميركي واضح بانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، ولا على مهلة زمنية لتحقيقه.

وما استوقف المصادر تحديداً هو استخدام ترامب تعبير «إعادة الانتشار» لدى حديثه عن القوات الإسرائيلية، بدلاً من الانسحاب. وهو تعبير يكتسب أهمية إضافية لأنه يلتقي مع المصطلحات المستخدمة في اتفاق الإطار، ما يضعف فرضية أن تكون المسألة مجرد اختيار لغوي، ويفتح الباب أمام الشك في أن يكون المطلوب فعلياً إعادة رسم الوجود العسكري الإسرائيلي بدلاً من إنهائه.

هذه المخاوف تعززها أيضاً الطريقة التي تتحدث بها إسرائيل عن تحركات قواتها في الجنوب، إذ استخدمت في سياق خروج قواتها من زوطر الغربية تعبيرات مرتبطة بإعادة التموضع والانتشار، بدلاً من تكريس مفهوم الانسحاب الكامل. ومن هنا ترى المصادر أن التقاطع بين المصطلحين الأميركي والإسرائيلي لا يمكن تجاهله، لأنه قد يكشف سقفاً سياسياً لا يصل أساساً إلى المطلب اللبناني المفترض، أي الانسحاب الكامل وإنهاء الاحتلال.

ولم يكن التوقيت الميداني أقل دلالة. فبالتزامن مع وجود الرئيس اللبناني في واشنطن ولقائه ترامب، كانت قوات الاحتلال تواصل اعتداءاتها في الجنوب وتفجير منازل في بلدة كفرتبنيت. وبذلك، انتهى اللقاء من دون أن ينتزع لبنان التزاماً أميركياً بوقف الاعتداءات، أو ضمانة لعودة الأسرى اللبنانيين، أو جدولاً زمنياً للانسحاب، فيما اكتفى ترامب بالحديث عن تغيير انتشار القوات الإسرائيلية، قبل أن يقدم صورة شديدة الإيجابية عن العلاقة بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل.

وفي مقابل غياب نتائج ملموسة في الملفات السيادية الأساسية، برز الإعلان عن السماح بعودة الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان كإحدى نتائج الزيارة. إلا أن هذه الخطوة، على أهميتها، لا تعني أن الطائرات الأميركية ستبدأ رحلاتها إلى بيروت فوراً، إذ لا تزال مرتبطة بإجراءات ومعايير فنية وأمنية قبل تحولها إلى مسار منتظم. ومن هنا تساءلت مصادر “حزب الله” عن المفارقة بين الاحتفاء بعودة محتملة للطيران الأميركي، وبين غياب أي نتيجة تمنع الطيران الإسرائيلي من انتهاك الأجواء اللبنانية، ولا سيما الطائرات المسيّرة التي بات تحليقها المستمر جزءاً من يوميات اللبنانيين ومصدر تهديد دائم لهم.

لكن بعيداً عن النتائج المعلنة، تكشف المعلومات عن ملفات أخرى أخذت حيزاً من محادثات واشنطن، من بينها تعزيز الدعم المقدم للجيش مع توجه نحو توفير تمويل يساهم في تحسين رواتب العسكريين وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار داخل المؤسسة، على أن تساهم الولايات المتحدة بجزء من هذا الدعم، بالتوازي مع الطلب من دول عربية المساهمة في تغطية الجزء المتبقي. كما تناول البحث تزويد الجيش ببعض قطع الغيار العسكرية، إلى جانب وضع برامج تدريب وتأهيل تهدف إلى رفع قدراته خلال المرحلة المقبلة، مع توجه لإيفاد عسكريين أميركيين للمشاركة في تنفيذ بعض هذه البرامج.

أما الملف الثاني الذي برز في المحادثات، وفق المعلومات نفسها، فكان العلاقة مع سوريا، إذ طلب ترامب من عون العمل على تعزيز العلاقة مع دمشق ورفع مستوى التنسيق معها في مجالات مختلفة، ولا سيما العسكرية والأمنية، كما شجعه على عدم التأخر في زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع بعد عودته إلى لبنان، مع إبداء استعداد أميركي للمساعدة في ترتيب الزيارة.

وتقرأ المصادر هذا الطرح من زاوية أبعد من حدود العلاقة اللبنانية السورية، واضعة إياه في سياق الرؤية الأميركية الأوسع للمنطقة، ولا سيما بعد الانفتاح الأميركي على الشرع، والحركة السياسية المتسارعة التي تقودها واشنطن في ملفات سوريا ولبنان والعراق وتركيا، والدور الذي يؤديه توم براك في هذه المساحة. وتبدي المصادر خشيتها من أن تكون الولايات المتحدة تعمل على بناء منظومة سياسية وأمنية إقليمية جديدة تجمع هذه الدول تحت مظلة واحدة، بما يشبه إعادة إنتاج «حلف بغداد» بصيغة جديدة تتلاءم مع التحولات الحالية في المنطقة.

ويزيد من حساسية هذه المخاوف، بحسب المصادر، تكرار ترامب الحديث عن دور سوري داخل لبنان. فالمسألة لم تعد موقفاً صدر مرة وانتهى، بل فكرة عاد إليها الرئيس الأميركي أكثر من مرة، ما يوحي بأنها بدأت تتحول إلى توجه سياسي تسعى واشنطن إلى تكريسه. وقد توقف مراقبون أيضاً عند غياب أي اعتراض واضح من الرئيس عون عندما طُرحت أمامه مواقف تتعلق بدور الشرع في لبنان، وهو ما يعيد طرح السؤال عن حدود الدور الذي تريده واشنطن لدمشق في المرحلة المقبلة.

وتكمن خطورة هذا الطرح في أن الانتقال من نفوذ إلى آخر لا يمكن تقديمه بوصفه استعادة للدولة والسيادة. فالعلاقة الطبيعية والتنسيق بين بيروت ودمشق أمر، أما أن ترسم واشنطن شكل هذه العلاقة وسقفها وأبعادها الأمنية والسياسية، فأمر مختلف تماماً، يفتح الباب أمام الحديث عن وصاية جديدة بأدوات وعناوين مختلفة.

وفي الخلاصة، لا يعود السؤال ما إذا كان لبنان قد نجح في الوصول إلى البيت الأبيض أو حجم الحفاوة التي أظهرها ترامب تجاه الرئيس عون، بل بما حققه لبنان فعلياً من هذه الزيارة. فالصور تنتهي بانتهاء الزيارات، أما القرارات التي اتخذها لبنان، والتنازلات التي قدّمها، والترتيبات التي تعمل واشنطن على تثبيتها اليوم، فستترك آثارها على البلاد لسنوات مقبلة. وإذا كان هذا المسار يضع مستقبل لبنان، والجنوب تحديداً، أمام تحولات بهذا الحجم، فإن الميزان حتى اللحظة يبدو مختلاً بوضوح، إذ قدّم لبنان الكثير، فيما لا يزال الثمن الذي قبضه أقل بكثير مما دفعه.

ومن هنا، ترى المصادر أن حصيلة الزيارة لم تحمل ما يوازي حجم التنازلات التي قدّمها لبنان، وأن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بحسابات مختلفة، بعدما أظهرت نتائج واشنطن أن المسار القائم لم ينجح في انتزاع أي من الحقوق السيادية الأساسية للبنان، فيما استمرت الالتزامات المطلوبة منه في التراكم.