في الوقت الذي ترتسم فيه علامات استفهام حول المفاوضات اللبنانية الاميركية الاسرائيلية في جولتها الثامنة المرتقبة في روما أوائل الشهر المقبل ،
تعود تلة علي الطاهر، تلك المرتفعات المشرفة على مدينة النبطية وبلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، إلى واجهة المشهد الميداني في الجنوب اللبناني، لا كحدث عابر ضمن سلسلة الخروقات الإسرائيلية المتكررة لاتفاق وقف النار، بل كعنوان مركزي لمعركة سياسية-انتخابية تُدار حساباتها في تل أبيب أكثر مما تُدار في الميدان اللبناني نفسه. فبين تكثيف العمليات العسكرية، والحديث عن تحضيرات لعملية واسعة تطال محور التلة والمرتفعات المحيطة بها من الريحان والجرمق وصولاً إلى البقاع الغربي، يتبيّن أن هذه البقعة الجغرافية الصغيرة تحوّلت إلى ما يشبه صندوق اقتراع موازٍ، تتقرر فيه ملامح الحملة الانتخابية الإسرائيلية المقبلة بقدر ما تتقرر فيه موازين القوى الميدانية. ومع كل صباح تحمل وسائل الإعلام الاسرائيلية روايات متعددة حول مستقبل التلة ومن فيها من عناصر ومعدات واليات ومراكز قيادة ل ” حزب الله” ، حتى باتت التلة مِعلماً سياسياً وليست فقط هدفاً عسكريا ، وذلك لاعتبارات عدة ابرزها الاتي :
– أولاً: لا وقف للعمليات قبل الصندوق الإسرائيلي
لقد بات واضحاً أن أي وقف حقيقي وشامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية لن يحصل قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول المقبل. فبنيامين نتنياهو، الذي يخوض أصعب استحقاق سياسي في مسيرته، يحتاج إلى معركة “منتصرة” يقدّمها لناخبيه، لا إلى تهدئة قد تُفسَّر كتراجع أو كضعف أمام “حزب الله” ؛وبالتالي فإن كل تصعيد ميداني، وكل إعلان عن “عملية بالغة الأهمية” كتلك التي تحدث عنها مؤخراً بغموض غير مسبوق ، يصبح رافعة دعائية في خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية أمام قواعده اليمينية والاستيطانية، التي تطالبه باستمرار الضغط العسكري لا بالانكفاء عنه. بهذا المعنى، لا تُقاس وتيرة العمليات في الجنوب اللبناني بمنطق الحاجة العسكرية البحتة، بل بمنطق التقويم الانتخابي الإسرائيلي، حيث يصبح كل جندي إسرائيلي يتقدم خطوة على تلة علي الطاهر صوتاً محتملاً يضاف إلى رصيد نتنياهو في صناديق الاقتراع. واللافت ان كبار المحللين الإسرائيليين باتوا يتحدثون على مدار الساعة عن ” الهدف الاستراتيجي” الابرز في الحرب الاسرائيلية على لبنان ، ومصيرها يقرر لا المستقبل السياسي لنتنياهو فحسب ، بل “هيبة” الجيش الاسرائيلي وفعاليته .
– ثانياً: التلة.. الحصن والرمز في آن واحد
يلتقي اكثر من محلل سياسي على القول انه لم تكن تلة علي الطاهر يوماً مجرد نقطة جغرافية عابرة على خريطة الجنوب. فهي، بحسب توصيف عسكريين مطّلعين، خط الدفاع الأساسي عن قضاء النبطية بأكمله، ونقطة إشراف استراتيجية لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من السيطرة عليها بشكل كامل حتى في ذروة الحرب الأخيرة. وهذا الفشل التاريخي في اقتحامها حوّلها إلى عقدة استراتيجية مضاعفة القيمة: عسكرياً لما تمثله من تحكّم بخطوط الإمداد والمراقبة على عمق إقليم التفاح، ورمزياً لأنها تجسّد صورة الصمود التي يحرص “حزب الله” على تظهيرها أمام بيئته وأمام إسرائيل على حد سواء.
من هنا فإن استهداف التلة ليس مجرد فعل عسكري تكتيكي، بل محاولة لكسر أحد آخر الرموز الميدانية التي لم تُطوَ صفحتها بعد، وهو ما يفسر إصرار “الحزب ” المعلن على التمسك الكامل بالموقع، ونفيه المتكرر لأي رواية إسرائيلية عن السيطرة عليه ، إلى درجة ان التلة دخلت في معادلة تقوم على ان اي اعتداء اسرائيلي عليها سوف يفجّر الحرب من جديد ، تماما كما هي معادلة الضاحية الجنوبية في مقابل المستعمرات الاسرائيلية المتاخمة للحدود . فقد نجح ” الحزب” ، ومعه الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، في جعل اي عملية عسكرية ضد التلة نذيراً لتجدد القتال والقصف الصاروخي من جديد ، وهذا ما برز جلياً الأسبوع الماضي من خلال المواقف التي صدرت من الضاحية الجنوبية وطهران على حد سواء .
– ثالثاً: غياب الجدية الأميركية في الضغط
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الرعاية الأميركية للمسار التفاوضي، رغم الحديث عن “مناطق نموذجية” وآليات تحقق من الانسحاب الإسرائيلي، لم تترجم بعد إلى ضغط فعلي وملموس يلزم نتنياهو بوقف خروقاته أو بالانضباط الكامل باتفاق وقف النار. فالمواقف الصادرة عن واشنطن، سواء عبر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أو عبر التصريحات الرسمية، بقيت أقرب إلى تكرار المبادئ العامة والتذكير بأن إسرائيل “لا تحتاج إلى إذن” للدفاع عن نفسها، أكثر منها التزاماً بمساءلة فعلية لتل أبيب عن استمرار عملياتها. هذا الغياب النسبي للجدية الأميركية يترك المجال مفتوحاً أمام نتنياهو لمواصلة حساباته الانتخابية على حساب الاستقرار الميداني، طالما أن الثمن السياسي لهذا التمادي يبقى محدوداً. وقد أظهرت مداولات الجولة السابعة من المفاوضات الثلاثية في روما ان لا اولوية أميركية في ممارسة الضغط على اسرائيل لوقف العمليات العسكرية الاسرائيلية طالما انها محصورة في الجنوب ولن تمتد إلى بيروت او ضاحيتها الجنوبية ، والدليل على ذلك ان الوفد الاميركي ركز مع الوفد الاسرائيلي على موضوع تصحيح بعض النقاط الحدودية على ” الخط الأزرق ” وملف الاسرى اللبنانيين ورفات اليهود الذين قتلوا في الحرب اللبنانية العام ١٩٧٥ وما تلاها ، حتى غدا ابراز الاهتمام بهذين الملفين ” جائزة ترضية ” للبنان تُشغل وفده الديبلوماسي والعسكري عن الموضوع الابرز اي وقف التدمير والتفجير والجرف في القرى التي تحتلها القوات الاسرائيلية !
– رابعاً: الدولة اللبنانية بلا أوراق ضغط
اما على الجهة المقابلة، فتجد الدولة اللبنانية نفسها عارية من أي ورقة ضغط حقيقية يمكن استخدامها لإرغام إسرائيل على الالتزام باتفاق الإطار. فلا قدرات عسكرية رادعة، ولا نفوذ دبلوماسيا يؤمن تحريك مجلس الأمن أو الشركاء الدوليين نحو موقف حاسم، ولا أدوات اقتصادية أو سياسية يمكن توظيفها كوسيلة ضغط مضادة.
في هذه الأثناء يكتفي لبنان بالمراقبة والانتظار، معلّقاً آماله على وساطة أميركية لم تثمر بعد انسحاباً كاملاً أو التزاماً إسرائيلياً واضحاً، فيما يبقى “اتفاق الإطار” نفسه محل رفض معلن من “حزب الله” ، الذي يرى فيه تنازلاً غير متكافئ لا يوازيه أي التزام إسرائيلي موازٍ بوقف الاعتداءات أو الانسحاب من النقاط المحتلة. لكن الجديد في هذا المجال ان جهات لبنانية وازنة كانت ايدت خيار المفاوضات ، بدأت تطرح تساؤلات عما إذا كان الرهان اللبناني على الضغط الاميركي فقط لوقف الحرب الاسرائيلية من شأنه ان يوقف هذه الحرب فعلا ، ام ان الحسابات الأميركية في هذا الشأن مختلفة عن الحسابات اللبنانية او في احسن الاحوال قد لا تكون في مستوى واحد من الأهمية ؛ الامر الذي يطرح السؤال الكبير – ولو كان مبكرا طرحه الان – هل تريد واشنطن فعلا تطبيق الاتفاق الاطار بكامله ام انها تختار ما يناسبها هي واسرائيل منه وتعطيه الاولوية ، واذا كان الأمر كذلك فإلى اين يتجه مسار المفاوضات الثلاثية في المدى المنظور ؟ وهل ان المطلوب هو انتظار مصير نتنياهو في الانتخابات الاسرائيلية المقبلة بعد شهرين ، وربما ايضاً نتائج الانتخابات النصفية الأميركية التي يوليها الرئيس الاميركي دونالد ترامب عناية تفوق عنايته بالملف اللبناني الإسرائيلي الذي يفترض ان يتولاه وزير خارجيته ماركو روبيو المنشغل هو الاخر بحسابات داخلية وبخلافاته التي باتت معلنة مع نائب الرئيس جي دي فانس حول استحقاق ٢٠٢٨ الرئاسي ؟
– خامساً: انتظار طهران وواشنطن
لعل ما يزيد من تعقيد المشهد أن المفاوضات الإيرانية الأميركية لا تزال تراوح مكانها من دون أي تقدم يُذكر، بينما يتمسك “حزب الله” بموقف واضح مفاده أن أي وقف نار واسع وشامل لن يكون نتاج اتفاق الإطار اللبناني-الإسرائيلي الذي يرفضه، بل سيكون انعكاساً مباشراً لتفاهم إيراني أميركي أوسع. بهذا المنطق، يربط الحزب مصير الجبهة الجنوبية بمسار إقليمي أكبر بكثير من الملف اللبناني وحده، ما يجعل أي تهدئة محلية رهينة بمتغيرات خارجة عن السيطرة اللبنانية بالكامل، ويُبقي الجنوب في حالة ترقب دائم إلى حين اتضاح ملامح التفاهم -أو غيابه- بين طهران وواشنطن. وبدا ان في ما يعلنه الامين العام ل” الحزب ” الشيخ نعيم قاسم في خطبه هذه الايام وفي مواقف مسؤولين في “الحزب” عن الدور الايراني في وقف النار وعدم الاعتراف بالمفاوضات الثلاثية وبنتائجها ، ما يؤكد مرة جديدة عدم التجاوب مع ما هَدفت اليه مفاوضات واشنطن وروما ، لا بل الرفض المطلق لهذه المفاوضات ومندرجات اتفاق الاطار جملة وتفصيلا واستطراداً عدم التقيد بما ينتج عنها …
في الخلاصة ، تختصر تصريحات السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في أكثر من مناسبة، جوهر المعادلة القائمة: إن تسليم حزب الله سلاحه هو الشرط الذي يوقف كل شيء، وأن الانسحاب الإسرائيلي مرهون بهذه الخطوة أولاً، وبالتالي فان هذه الصيغة، على بساطتها الظاهرية، تلخص فعلياً كل ما يجري: معادلة “انزعوا السلاح لينسحب الإسرائيليون” التي تحكم المسار التفاوضي بأكمله، وتجعل من تلة علي الطاهر مجرد واجهة ميدانية لصراع أعمق حول شكل لبنان وموقعه في المعادلة الإقليمية المقبلة. وإلى أن تُحسم هذه المعادلة، ستبقى التلة، بصمودها ورمزيتها، الناخب الأكبر الذي يزن كلمته في صناديق الاقتراع الإسرائيلية المقبلة أكثر من أي حسابات أخرى !













