لم يُحدَّد بعد موعد الجولة المقبلة من المحادثات المرتقبة في أيلول، فيما تتواصل الاتصالات لتحديد موعدها وجدول أعمالها، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب. ووفق معطيات سياسية وميدانية، تسعى إسرائيل إلى تثبيت وقائع جديدة في عدد من النقاط الاستراتيجية، وسط تقارير إسرائيلية عن إبلاغ واشنطن بأن صيغة «المناطق التجريبية» لم تحقق النتائج المطلوبة، بالتزامن مع حديث عن تطورات دراماتيكية في منطقة علي الطاهر، علما أن السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى تحدث عن تقدّم في ملف «المناطق التجريبية»، موضحًا أن ما يتم الاتفاق عليه على الورق يحتاج إلى وقت لترجمته ميدانيًا. لكنه لم يحدد موعد الجولة المقبلة.
في الخامس من تموز، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون، في حديث أمام الصحافيين في قصر بعبدا، عن «اتفاق الإطار»: «خلّينا نجرّبه، ما مشي حاله بيسقط لحاله، خلّي الإسرائيلي يسقطه». بعد نحو شهرين، لا يبدو أن الاتفاق سقط، لكن اختبار قدرته على إنتاج نتائج عملية أصبح أكثر إلحاحًا. فالإطار لا يزال يشكل أساسًا للمفاوضات، فيما لم تتحول التفاهمات التي تحققت حتى الآن إلى تغيير واضح في المشهد الجنوبي.
وبحسب مصادر متابعة للمفاوضات، أحرزت الجولات السابقة تقدمًا في عدد من الملفات، بينما بقيت ملفات أساسية عالقة، وفي مقدمها وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وآليات الانتقال إلى مراحل جديدة من الترتيبات الميدانية. وتقول المصادر إن لبنان يدفع باتجاه الانتقال إلى خطوات إضافية، فيما تبقى آليات التحقق والتنفيذ بحاجة إلى متابعة وضمانات أميركية.
وعليه، فإن المشكلة الأساسية ليست في استمرار التفاوض بحد ذاته، بل في التباعد بين وتيرة المسار السياسي وسرعة التطورات على الأرض. فبينما تحتاج المفاوضات إلى اتصالات وترتيبات وتوافقات، تواصل إسرائيل عملياتها، بما فيها القصف والهدم والتجريف، وتعمل على تثبيت مواقع تعتبرها ذات أهمية أمنية. وفي هذا السياق، تكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية خاصة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا لارتباطها، بحسب مصادر سياسية، بالحسابات الإسرائيلية للمرحلة المقبلة، حيث تأتي الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول لتضيف عاملًا سياسيًا إلى المشهد. فبحسب هذه المصادر، تبدو إسرائيل معنية بالدخول إلى الاستحقاق وهي أمام وقائع ميدانية يمكن تقديمها داخليًا باعتبارها مكاسب أمنية، فيما يحاول لبنان منع تحويل هذه الوقائع إلى أمر واقع دائم يمكن أن يفرض نفسه على طاولة التفاوض.
وبينما تتمسك رئاسة الجمهورية، بحسب زوار بعبدا بالمسار التفاوضي، باعتباره الطريق المتاح لمعالجة الوضع في الجنوب والوصول إلى وقف الاعتداءات والانسحاب وإعادة الاستقرار، فإن هذا الرهان يفترض استمرار الدور الأميركي، ليس فقط في رعاية المفاوضات، وإنما أيضًا في متابعة تنفيذ ما يتم التوصل إليه، خصوصًا أن أي اتفاق يبقى محدود الأثر إذا لم يقترن بآليات واضحة تضمن تطبيقه ميدانيًا.
ومن هنا، فإن الجولة المقبلة، عندما يُحدَّد موعدها، ستكون اختبارًا مهمًا للمسار كله. فالمطلوب لبنانيًا، وفق مصادر متابعة، ألا تقتصر المفاوضات على إعادة طرح المواقف نفسها، بل أن تنتقل إلى خطوات قابلة للتنفيذ، ولا سيما في ما يتعلق بالمناطق التجريبية والانسحاب ووقف الاعتداءات.
ولذلك، فإن السؤال اليوم ليس بالضرورة ما إذا كان اتفاق الإطار قد سقط، إنما ما إذا كان قادرًا على الاستمرار كمسار منتج. فالوقت يمكن أن يكون عنصرا مساعدا للتفاوض، لكنه يصبح عاملًا ضاغطا عندما تستمر الوقائع العسكرية في التقدم أسرع من التسوية السياسية.
لكن، يسأل مصدر سياسي في الثنائي الشيعي، ماذا لو لم تكن مصلحة إسرائيل في إسقاط «اتفاق الإطار» أصلًا، بل في إبقائه قائمًا بما يكفي لمواصلة عملياتها العسكرية تحت سقفه، فيما يستمر المسار التفاوضي وتبقى الرهانات معلّقة على ما يمكن أن تحققه الجولات المقبلة؟ عندها، لا يعود السؤال محصورًا في مصير الاتفاق، بل يمتد إلى قدرة هذا المسار على الحفاظ على صدقيته وفاعليته مع استمرار الوقائع الميدانية. فإلى أي مدى يستطيع اتفاق الاطار أن يبقى قائمًا من دون نتائج ملموسة، ومتى تبدأ الفجوة بين ما يجري على طاولة التفاوض وما يحدث في الجنوب بالتأثير في الرصيد السياسي للمسار نفسه؟ عندها قد لا يكون السؤال: من أسقط الاتفاق؟ بل أيهما يصمد أولًا، الإطار أم الرهان السياسي عليه؟












