في طرابلس، لا تزال الأبنية الآيلة للسقوط تفرض نفسها كواحدة من أكثر الملفات إلحاحاً، بعدما تحوّلت التشققات والتصدعات في عدد من المباني إلى خطر يهدد حياة السكان. فبعد انهيار ثلاثة أبنية خلال فترة قصيرة، عادت مشاهد الإخلاء لتتكرر، فيما تتواصل عمليات الكشف الهندسي على مبانٍ أخرى، وسط مخاوف من تكرار الكارثة.
ومنذ تلك الانهيارات، تلقّى أهالي طرابلس وعوداً عدة من الحكومة والجهات الرسمية بمعالجة الملف. لكن مرور الأشهر أعاد طرح السؤال نفسه: ماذا تحقق على الأرض، وماذا بقي مجرد وعود؟
وبعد ستة أشهر على الكارثة، أين أصبح ملف الأبنية الآيلة للسقوط في طرابلس؟ وما مصير المباني التي لا يزال سكانها يعيشون تحت خطر الإخلاء أو الهدم؟
قبل البحث في مصير هذه الأبنية، لا بد أولاً من فهم حجم الخطر الذي يجعل مبنى ما قابلاً للإخلاء أو التدعيم أو حتى الهدم. فكيف يحدد المهندسون أن مبنى ما بات يشكل خطراً على سكانه؟ وما العلامات التي تكشف أن المشكلة تتجاوز مجرد تشققات يمكن معالجتها؟
يوضح المهندس المدني جهاد سعد الدين المتابع للملف، في حديث لـ”لبنان 24″، أن تحديد مدى خطورة أي مبنى يبدأ من خلال كشف ميداني، يتم خلاله البحث عن مجموعة من المؤشرات، أبرزها ميلان الأعمدة أو وجود انحراف كبير في الجسور والعوارض الخرسانية التي تحمل السقف.
كما أن ظهور تشققات أو فجوات في الأسقف، أو سقوط الشرفات بشكل عشوائي، يعد من العلامات الخطرة. أما التشققات في الأعمدة، فقد تشير إلى تعرضها لأحمال قص عالية، فيما قد تدل التشققات التي تظهر بزاوية 45 درجة على الجدران على مشكلة في الأساسات أو الأرضية والتربة.
وبحسب سعد الدين، تساعد هذه المؤشرات في تحديد ما إذا كان المبنى يحتاج إلى ترميم أو تدعيم أو إخلاء، أو أن حالته تستوجب الهدم.
ولا تقتصر مؤشرات الخطر على التشققات، إذ إن تسرب المياه والرطوبة يمكن أن يؤدي إلى تآكل الحديد داخل الخرسانة، ثم صدأه وتفتت الباطون، ما يضعف الهيكل الإنشائي للمبنى.
ويشير سعد الدين إلى أن نحو 70 في المئة من المشاكل التي يتم رصدها تكون في الأبنية التي تحتوي على طابق سفلي، خصوصاً عندما يكون الطابق السفلي أو الأرضي متضرراً بشكل كبير. وفي هذه الحالة قد يُطلب إخلاء المبنى بالكامل، بينما إذا كانت المشكلة في الطابق الأخير، يمكن أن يقتصر الإخلاء عليه أو على الطابقين الأخيرين، أو على جزء محدد من المبنى إذا كان الخلل محصوراً في منطقة معينة.
ويوضح سعد الدين أن الأبنية الخطرة ليست محصورة فقط ضمن المنطقة الحمراء، مشيراً إلى أن آخر مبنى انهار في التبانة لم يكن ضمنها.
ويشرح أن بعض أبنية طرابلس تفتقر إلى معلومات هندسية دقيقة، فلا خرائط لها لدى البلدية أو نقابة المهندسين، ولا معلومات كافية عن كمية الحديد أو نوع التسليح المستخدم فيها، كما لا يُعرف ما إذا كانت قد تعرضت لأضرار خلال الحرب.
ويضيف أن بعض الأبنية شُيدت أساساً بطابقين ثم أضيفت إليها طوابق لاحقاً، ما يجعل وضعها الإنشائي أكثر غموضاً. كما يحذر من قيام البعض بإخفاء العيوب بدلاً من معالجتها، عبر تغطية التشققات أو مشاكل الحديد والأعمدة وإعادة الطلاء، فيبدو المبنى سليماً من الخارج، بينما تبقى المشكلة في أساساته أو هيكله الإنشائي.
ويلفت سعد الدين إلى أن مناطق التبانة والقبة وضهر المغر تعاني من مشاكل في شبكات الصرف الصحي، وتتسرب المياه باتجاه الأبنية وتصل إلى الطوابق السفلية. وبسبب احتوائها على مواد حمضية، تؤدي هذه المياه إلى تفتت الباطون وتآكل الحديد، ما يضعف المبنى ويزيد خطره.
كما يشكل البناء المخالف مشكلة أساسية، إذ قد يكون المبنى مصمماً على طابقين ثم تضاف إليه طوابق عدة، أو تُستخدم مواد البناء والحديد بطريقة عشوائية بهدف إنجاز البناء قبل تدخل السلطات.
ويشدد سعد الدين على ضرورة منع هذه المخالفات، إلى جانب وجود قانون يُلزم السكان والمالكين بإجراء الصيانة والترميم عند ظهور المشاكل، بعدما ساهم الإهمال لسنوات في تدهور عدد من الأبنية.
ويؤكد سعد الدين أن أعمال التدعيم يجب أن تتم تحت إشراف مهندس مسؤول، وعلى صاحب المبنى مراجعة البلدية ونقابة المهندسين قبل بدء الأعمال، وتعيين مهندس يوقّع على الأوراق ويتولى الإشراف على الترميم والتدعيم ويتحمل مسؤوليتهما.
أما نقابة المهندسين، فلا تقوم بأعمال الترميم على نفقتها، لكنها تستطيع تأمين مهندس متطوع للكشف، أو يمكن لأصحاب المبنى الاتفاق على دفع أتعاب مهندس لإجراء الكشف وتحديد الحل المناسب.
1600 مبنى تحت المتابعة
بدوره، يوضح رئيس لجنة الهندسة في بلدية طرابلس المهندس مصطفى فخر الدين في حديث لـ “لبنان 24″، أن انهيار ثلاثة أبنية خلال فترة قصيرة في بداية عام 2026 دفع البلدية إلى إعلان حالة الطوارئ والنفير، إلا أن إمكاناتها لم تكن كافية للتعامل مع هذا الحجم من الحالات.
وبناءً عليه، استعانت البلدية بنقابة المهندسين، حيث شُكلت لجنة مشتركة، وتطوع عدد من المهندسين للكشف على الأبنية، بمساعدة الصليب الأحمر اللبناني، الذي أنشأ غرفة وخطاً ساخناً لتلقي شكاوى السكان وتحويلها إلى اللجنة الهندسية، بالتوازي مع الشكاوى التي تصل مباشرة إلى البلدية.
وخلال نحو شهر، وصلت عبر نقابة المهندسين شكاوى بشأن 860 مبنى، جرى الكشف عليها وإرسال تقاريرها إلى البلدية، فيما تلقت البلدية نحو 810 شكاوى إضافية، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 1600 مبنى، تم الكشف حتى الآن على نحو 1100 منها.
ويشير فخر الدين إلى أن البلدية تصدر بعد الكشف الإنذار المناسب وفقاً لحالة كل مبنى، سواء بالترميم أو التدعيم أو الإخلاء عند وجود خطر.
وفي حال صدور إنذار بالإخلاء، يُحال الملف إلى هيئة الإغاثة، التي تعيد الكشف على المبنى، وتستعين بشركة”خطيب وعلمي” لإجراء كشف إضافي وإعداد تقرير. وبناءً على النتيجة، إما يُطلب تدعيم المبنى أو يُوصى بهدمه إذا كانت حالته خطرة وكانت كلفة ترميمه مرتفعة جداً.
وبحسب فخر الدين، يوجد نحو 1300 إنذار تدعيم للأبنية المصنفة آيلة للسقوط منذ شباط، فيما طُلب إخلاء 154 مبنى وأُرسلت ملفاتها إلى هيئة الإغاثة. ومن بينها، هناك رأي بهدم 48 مبنى، هُدم منها ثلاثة حتى الآن، فيما يُفترض هدم نحو 10 أبنية أخرى خلال الأسبوع المقبل.
من يتحمل كلفة التدعيم؟
ويؤكد فخر الدين أن مسؤولية تدعيم المبنى تقع على مالكه، استناداً إلى المادة 18 من قانون البناء، مشيراً إلى أن بعض المالكين لا يملكون القدرة المالية على تحمل الكلفة.
وكان القانون يسمح للبلديات بتنفيذ أعمال الترميم والتدعيم ووضع دين ممتاز على الصحيفة العينية للعقار، لكن التعامل مع نحو 1300 مبنى يتجاوز قدرة أي بلدية، لذلك يؤكد فخر الدين أن “هذا موضوع دولة وليس موضوع بلدية”.
ويوضح أن البلدية كانت تمنح أصحاب الأبنية مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ أعمال التدعيم، ثم توجه الإنذارات الأول والثاني والثالث عند عدم تنفيذ الأعمال، قبل الوصول إلى الإنذار بالإخلاء إذا استمر الخطر.
وفي حالات الإخلاء، تدفع هيئة الإغاثة 1000 دولار كل ثلاثة أشهر ولمدة سنة للأشخاص المقيمين في المبنى، سواء كانوا مالكين أو مستأجرين، بناءً على توصية من رئيس الحكومة.
لكن فخر الدين يشير إلى أن المشكلة لا تنتهي عند تأمين بدل الإيواء، خصوصاً إذا انتهت فترة الدعم أو هُدم المبنى ولم يعد بإمكان السكان العودة إليه.
ويشير إلى أن بعض السكان كانوا يتفقون في ما بينهم، كجيران، على استخدام بدل الإيواء لتدعيم المبنى، إلا أن هذا الأمر لم يكن كافياً.
وبعدما تبين أن بعض السكان كانوا يبقون داخل منازلهم ويستخدمون بدل الإيواء للترميم، أوقفت هيئة الإغاثة الدفع للعائلات التي لم تُخلِ منازلها، لأن الهدف من بدل الإيواء هو إخراج السكان من المبنى الخطر حفاظاً على سلامتهم، وليس تمويل الترميم أثناء إقامتهم فيه.
48 مبنى أمام الهدم
ويعتبر فخر الدين أن قرار الهدم هو المشكلة الأكبر، مشيراً إلى وجود 48 مبنى في مناطق القبة والتبانة وضهر المغر أمام الهدم، إضافة إلى قرار بهدم سبعة أبنية في شارع واحد خلال الأسبوع المقبل أو خلال نحو عشرة أيام.
ويؤكد أن هذه القرارات ستطرح مشكلة كبيرة أمام أصحاب المنازل والسكان، خصوصاً أن هدم المبنى يعني فقدان إمكانية العودة إليه. لكن في المقابل، لا يمكن الانتظار حتى تقع كارثة جديدة، ولا سيما أن هذه الأبنية مصنفة أساساً على أنها خطرة.
وفي النهاية، مع استمرار قرارات الإخلاء والهدم، يبقى مصير السكان التحدي الأكبر في هذا الملف، خصوصاً العائلات التي قد تفقد منازلها نهائياً ولن يكون بإمكانها العودة إليها. فبدل الإيواء، مهما طال، يبقى حلاً مؤقتاً أمام خسارة منزل ومكان استقرار. فمن يضمن لهذه العائلات مسكناً آمناً ومستقراً بعد أن تصبح العودة إلى منازلها مستحيلة؟













