لم تعد كلفة الحياة اليومية في لبنان شأناً محصوراً بمن يعيش تحت خط النار. فاستمرار حالة “لا حرب لا سلم” في الجنوب، أكثر من عام بعد “الاتفاق الإطاري” الذي رعته واشنطن، يترجم أرقاماً ملموسة: تراجع النشاط الزراعي في الجنوب بنسبة تقارب 40%، وتعطّل قارب 60% من النشاط التجاري في مناطق واسعة، بحسب تقديرات نقابية وقطاعية. وبين خسائر مباشرة قُدّرت بأكثر من 1.3 مليار دولار في الجنوب وحده، وخسائر مباشرة على مستوى لبنان قُدّرت بنحو 7 مليارات دولار، يتشكل سؤال بسيط لكنه محوري: كيف ينتقل هذا الانكماش من قرى الحدود إلى جيب مواطن لا يسمع صوت القصف؟ وبعبارات أوضح:” لماذا شخص في بيروت أو الشمال يشعر بارتفاع الأسعار بسبب ما يجري في الجنوب؟
في هذا السياق، يقول الاستاذ الجامعي والمحلل الاقتصادي وئام ملاك لـ”لبنان24″ ان “لبنان الاقتصادي”كلّه سوق واحد صغير ومترابط. الجنوب ليس فقط جبهة عسكرية، هو أيضاً سلة غذائية أساسية: خضار، حمضيات، تبغ، وموارد بحرية. فعندما يتوقف مزارع في صور أو بنت جبيل عن الوصول إلى أرضه، لا تنقص الكمية في سوق الجنوب فقط، بل في سوق الخضار بالجملة في بيروت وطرابلس وصيدا. النتيجة أسعار أعلى للمستهلك في كل المناطق، حتى تلك البعيدة تماماً عن الاشتباك”.
وعن علاقة هذا بالدولار تحديداً، يقول:”لبنان اليوم اقتصاد مُدولر بالفعل، سواء رضينا أو لا. جزء كبير من الإيجارات والفواتير والسلع المستوردة يُحتسب بالدولار، وسعر الصرف الرسمي مستقر نسبياً منذ أشهر عند مستوى قريب من 89 ألفاً إلى 90 ألف ليرة للدولار. لكن هذا “الاستقرار” ظاهري إلى حد ما، لأنه مرتبط باحتياطات مصرف لبنان بالعملة الصعبة، وبالتحويلات من الخارج. أي صدمة جديدة في الجنوب، أي تصعيد حتى لو محدود، تدفع الناس والمؤسسات إلى التحوّط بشراء الدولار وتخزينه، وهذا وحده كافٍ لخلق ضغط تصاعدي على السعر حتى قبل أي انهيار فعلي”.
وعن الاثر الواسع لأي تطور أمني، يشير إلى أنّ الأثر يتمدد بشكل حلقي. الحلقة الأولى هي الجنوب المباشر تحت النار. الحلقة الثانية هي المناطق المجاورة له كالنبطية وصيدا والزهراني، حيث يعتمد جزء كبير من الاقتصاد المحلي على التبادل التجاري مع الجنوب نفسه، من نقل وتخزين وتصنيع غذائي. الحلقة الثالثة هي بقية لبنان، وهنا الأثر أخف حدة لكنه حقيقي: مؤسسات بدأت تصرف عمالاً بسبب تراجع نشاطها العام، والبطالة ترتفع تدريجياً، وهذا يعني طلباً أضعف على السلع في كل مكان، بمن فيهم في مناطق لم تُقصف يوماً.
وعليه، لا يمكن الحديث عن “تعافٍ” فعلي في ظل استمرار حالة اللاحرب واللاسلم. البنك الدولي كان يراهن في مطلع 2026 على نمو حقيقي بنسبة تقارب 4% إذا استمر الاستقرار وتقدّمت الإصلاحات، لكن هذا الرقم افتراضي بالكامل ومرتبط بشرط لم يتحقق: الاستقرار الأمني الفعلي، لا الهدوء النسبي المؤقت. وطالما الجنوب معلّق بين الحرب والسلم، يبقى الاقتصاد اللبناني كله معلّقاً بين الانكماش والتعافي، لأن الثقة، لا الأرقام فقط، هي ما يحرّك الاستثمار وسعر الصرف.













