بالرغم من ان التصعيد السياسي في المنطقة مستمر منذ اشهر، فان اللافت أن هذا التصعيد الذي بدأ قبل فترة على شكل مواقف ورسائل متبادلة، يتحول تدريجياً إلى تلويح بجولة جديدة من التصعيد الميداني، وسط مؤشرات توحي بأن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر خطورة مما شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية.
تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليست المؤشر الوحيد على إمكان الذهاب نحو مواجهة أوسع، بل تبدو جزءاً من مشهد متكامل تتجمع عناصره تباعاً. فالتطورات المتسارعة في اليمن، والضغط المتزايد الذي تتعرض له السعودية من قبل حكومة صنعاء، يضعان الرياض أمام خيارات صعبة، خصوصاً مع انتقال المواجهة إلى استهداف منشآت ومواقع حساسة داخل المملكة. وهذا الواقع يجعل احتمال انخراط السعودية بصورة أكبر في الصراع الإقليمي وارداً، حتى وإن كانت الرياض لا تزال تحاول تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة ومفتوحة. لكن ما يجري أبعد من الجبهة اليمنية وحدها.
فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تعمل على إعادة ترتيب المسرح الإقليمي تحسباً لأي تطور كبير. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل صفقة الذخائر الأميركية الجديدة لإسرائيل، والتي تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار، عن المشهد العسكري العام، خصوصاً أنها تشمل عشرات آلاف القنابل الثقيلة. كذلك، جاء الاجتماع الذي جمع قيادات عسكرية أميركية وإسرائيلية مع رؤساء أركان عدد من الدول العربية، وبينها دول خليجية، ليضيف مؤشراً آخر إلى حجم التنسيق العسكري الجاري في المنطقة.
هذا لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتخذ، لكنه يؤكد أن الاستعداد لسيناريوهات أكثر خطورة بات قائماً.
في المقابل، هناك رغبة إسرائيلية واضحة في إبقاء الضغط العسكري على إيران مرتفعاً، وربما الذهاب أبعد إذا توفرت الظروف السياسية والعسكرية المناسبة. وهنا تحديداً تظهر المعضلة الأميركية، إذ يبدو أن واشنطن، رغم كل استعداداتها، لا تزال مترددة في توسيع دائرة المواجهة وفتح جبهات إضافية.
هذا التردد له بعد سياسي واضح. ترامب يدخل مرحلة حساسة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، فيما أصبحت كلفة الحرب الطويلة عاملاً ضاغطاً داخلياً. فتح جبهة جديدة، سواء في اليمن أو عبر توسيع الحرب مع إيران، قد يعني دخول الولايات المتحدة في مواجهة طويلة لا يمكن توقع نتائجها أو تحديد سقفها الزمني.
أما عسكرياً، فالمشكلة أكثر تعقيداً. الأشهر الماضية أظهرت حجم الضغط الذي تتعرض له مخزونات بعض أنواع الذخائر والصواريخ الاعتراضية الأميركية، بالتوازي مع الحاجة إلى توزيع القدرات العسكرية على أكثر من مسرح. وهذا يجعل قرار توسيع الحرب مختلفاً تماماً عن مجرد توجيه ضربة محدودة.
من هنا، تبدو المنطقة أمام مفارقة واضحة: الجميع يرفع مستوى الاستعداد، والجيوش تعيد ترتيب أوراقها، والتحالفات العسكرية تتحرك، فيما لا يزال القرار الأميركي النهائي محكوماً بحسابات سياسية وعسكرية معقدة.
الخطر الحقيقي يكمن في أن الانفجار الكبير قد لا يبدأ بقرار مسبق بالحرب الشاملة، بل بخطأ في الحسابات أو ضربة تتجاوز الخطوط الموضوعة لها، فتفتح الباب أمام سلسلة ردود لا يستطيع أحد بعدها ضبط سقف المواجهة.













