غداة طعن رئيس الجمهورية جوزاف عون في قانون تسوية أوضاع المصارف وإعادة هيكلتها، ربط صندوق النقد الدولي التوصل إلى اتفاق جديد مع لبنان بتقدم مستمر في الإصلاحات، خصوصاً معالجة أوضاع المصارف والفجوة المالية وإعداد إطار مالي يراعي استدامة الدين.
ورأى الصندوق أن لبنان يحتاج إلى مواصلة التقدم في تنفيذ إصلاحات أساسية في الاقتصاد والقطاع المصرفي، من أجل التوصل إلى اتفاق جديد للحصول على دعم من الصندوق، مشيراً إلى أن مسار الاتفاق يتطلب العمل على عناصر مختلفة.
وأوضحت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحافي، أن الأولويات تشمل دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ، وإقرار تشريعات ملائمة لمعالجة الفجوة المالية، إلى جانب إعداد موازنة عام 2027 وإطار مالي متوسّط الأجل يتوافق مع استدامة الدين في البلاد.
وكتبت” النهار”: يضع هذا الموقف الملف المصرفي ضمن المتطلبات الأساسية للمضي نحو اتفاق، مع التشديد على جانبين مترابطين: تنفيذ القانون المتعلق بمعالجة أوضاع المصارف، واستكمال التشريعات اللازمة للتعامل مع الفجوة المالية وفق المعايير الدولية.
وبحسب ما عرضته المتحدثة، فإن المطلوب لا يقتصر على إقرار نصوص تشريعية، إذ يشمل أيضاً دخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيّز التنفيذ. أما في ملف الفجوة المالية، فقد شدّدت على ملاءمة التشريعات والمعايير التي ينبغي أن تستند إليها المعالجة.
وذكرت «اللواء» أن صندوق النقد الدولي تفاجآ بالطعن الرئاسي بقانون إعادة هيكلة المصارف، والذي أتى بعد أقل من 24 ساعة من المحادثات الناجحة التي أجراها الرئيس سلام والوفد الوزاري مع صندوق النقد الذي أيّد خطوات الحكومة، بما فيها إقرار قانون إصلاح المصارف.
وتخوف مصدر في الصندوق في تصريح لـ «اللواء» من أن ينعكس الخلاف الرئاسي على ما يمكن أن يقدمه المجتمع المالي الدولي للبنان، إذ لا يجوز أن يكون الإنطباع بأن القرار في لبنان غير موحَّد ويصعب عليه مواجهة إعادة بناء ما تضرر أو تهدم في المرحلة السابقة.
وكتبت” الديار”: يتعرّض رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لحملة سياسية وإعلامية عنيفة بعد وقوفه سدًا منيعًا في وجه محاولة المسّ باستقلالية مصرف لبنان ووحدة القرار فيه، عبر تعديل غير مسبوق أُدخل على قانون إصلاح المصارف، تمثّل بشطب عبارة «مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف» من المادة الثالثة، بما يفتح الباب أمام تعدّد المرجعيات وتضارب الصلاحيات داخل المؤسسة النقدية الأولى في الدولة.
وتأتي هذه المواجهة بعد سلسلة محاولات لإضعاف صلاحيات مصرف لبنان وحاكمه، والمساس بحاكمية المصرف المركزي باعتبارها الموقع المالي والنقدي الأول في الدولة. رئيس الجمهورية رفض الإذعان للضغوط، وتمسّك بحماية المؤسسة ووحدة قرارها، ونقل المواجهة إلى مكانها الدستوري، فتقدّم بطعن أمام المجلس الدستوري حصره بالمادة الثالثة التي شُطبت منها مرجعية قانون النقد والتسليف.
ومن هنا بدأت حملة قلب الحقائق. فبدلًا من السؤال عن سبب شطب مرجعية قانون النقد والتسليف، وعن الجهة التي أصرت على هذا الشطب وأهدافها، جرى التصويب على رئيس الجمهورية واتهامه بمحاباة المصارف والدفاع عن مصالحها وتعطيل الإصلاح وتهديد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي.
ومن المؤكد أن هذه الرواية تقوم على مغالطات هدفها تغطية أصل المشكلة. فالطعن محصور بالمادة الثالثة، فيما اعتراضات المصارف ومصالحها تقع في مواد ومسائل أخرى. والأوضح من ذلك أن المذكرة الاعتراضية التي رفعتها جمعية المصارف بواسطة محاميها خلال مناقشة القانون، لم تطلب ما يطلبه رئيس الجمهورية اليوم في طعنه، ولم تجعل مسألة شطب مرجعية قانون النقد والتسليف موضع اعتراض لها. فكيف يصبح الطعن دفاعًا عن المصارف فيما النقطة التي طعن فيها رئيس الجمهورية لم تكن أصلًا مطلباً للمصارف؟
أما المغالطة الثانية فتتمثل بمحاولة الإيحاء بأن صندوق النقد الدولي طلب شطب عبارة «مع مراعاة أحكام قانون النقد والتسليف». وتؤكد المعلومات أن الصيغة التي خرجت من الحكومة، ثم الصيغة التي عملت عليها لجنة المال والموازنة وأحالتها إلى الهيئة العامة، مرت بمسار من التوافق بين الجهات الأساسية المعنية بالقانون وبالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وأن ربط قانون إصلاح المصارف بقانون النقد والتسليف جاء لحماية استقلالية مصرف لبنان ووحدة القرار فيه ومنع قيام مرجعيات متضاربة داخل المؤسسة.
وتشير المصادر إلى أن الانقلاب على هذه الصيغة حصل لاحقًا داخل الهيئة العامة، في خضم الأجواء السياسية والفوضى التي رافقت جلسة قانون العفو العام، ومع انسحاب كتل وغياب عدد من النواب، حيث نجحت كتل نيابية في شطب العبارة وتمرير المادة بصيغتها الجديدة، خلافًا للصيغة التي كانت قد مرت بمراحل التفاوض والنقاش بين الجهات المعنية. ومن هنا تعتبر المصادر أن كل محاولة لتقديم الشطب باعتباره مطلبًا من صندوق النقد الدولي تشكل تشويهًا لحقيقة المسار الذي سلكه القانون.
وتصل حملة التضليل إلى حد مساءلة رئيس الجمهورية عن توقيع القانون ثم الطعن فيه، وهي حجة تكشف جهلًا بآلية الرقابة الدستورية نفسها. فالقانون يجب أن يصدر وينشر وفق الأصول حتى يصبح قابلًا للمراجعة أمام المجلس الدستوري، وعندئذ يمارس رئيس الجمهورية، كما سائر الجهات التي منحها الدستور والقانون هذه الصلاحية، حق الطعن فيه. كما أن عون لم يكن معترضًا على قانون إصلاح المصارف برمته حتى يرده كاملًا إلى مجلس النواب، وإنما حصر اعتراضه بمادة واحدة محددة هي المادة الثالثة. فردّ القانون بأكمله كان سيضع موقفه في إطار الاعتراض على قانون إصلاح المصارف ككل، في حين أن اعتراضه يتعلق حصرًا بالإشكالية الدستورية التي يرى أنها نشأت عن شطب مرجعية قانون النقد والتسليف من المادة الثالثة. لذلك وقّع القانون وأتاح صدوره ونشره، ثم سلك الطريق الدستوري المحدد، فتقدّم بطعن محصور بالمادة الثالثة، واضعًا موضع النزاع وحده أمام المجلس الدستوري من دون تعطيل القانون برمته أو فتح مواجهة حول مجمل مسار إصلاح القطاع المصرفي.
لذلك ترى المصادر أن إدخال المصارف في المواجهة يشكل ستارًا سياسيًا يحجب أصل القضية المتمثلة بمحاولة ضرب وحدة واستقلالية مصرف لبنان من خلال فتح الباب أمام تعدد المرجعيات وتضارب الصلاحيات داخله.
المجلس الدستوري أصبح اليوم أمام مسألة واضحة: هل يستطيع قانون خاص بإصلاح المصارف أن يعمل بمعزل عن التشريع الأم الذي ينظم مصرف لبنان والسياسة النقدية والمصرفية؟ وهل يمكن ترك العلاقة بين الصلاحيات والمرجعيات عرضة للتفسير والاجتهاد في مؤسسة تمسك بالاستقرار النقدي والمالي للبلاد؟













