عاد صاحب المنقار إلى دار الفتوى، يحمل هذه المرّة جرسًا مستعارًا من الفاتيكان. استحضر استقالة البابا بنديكتوس السادس عشر، وراح يقرعها على مسامع المفتي اللبناني بوصفها درسًا في التواضع وشجاعة المسؤولية. وهكذا، بعد النقر على أبواب المؤسسة، جاء دور الأجراس: لعلّ ما لم تثبته الحجة يبلغه الرنين.
ولصاحب المنقار علاقة قديمة بهذا المعجم. فهو يروي بنفسه دوره في هندسة عيد البشارة وتحويله إلى مناسبة وطنية جامعة. ومن يتابع هذا المسار يفهم حضور المثال الكنسي في مقاله الجديد. لكن المسافة بين استلهام تجربة دينية وإلزام مؤسسة أخرى بنتائجها تحتاج إلى استدلال. فالقرابة التي يصنعها الحوار بين الناس لا تجعل أنظمة مؤسساتهم وصلاحياتها وظروف المسؤولين فيها متطابقة. وفي المقال، تحولت استقالة البابا من واقعة تخص صاحبها إلى مقدمة للحكم على أهلية المفتي، من دون إثبات وجه الشبه الحاسم بين الحالتين.
ثم إن للواعظ هنا تاريخًا في الخصومة نفسها. ففي معركة المفتي قباني كان صاحب المنقار منخرطًا في المطالبة بإقصائه، وكانت له خلافات معه من داخل الدار. واليوم يحمّل المفتي السابق وخلفه مسؤولية الانقسام، وكأن المطالبين بإقصائهما مجرد جمهور يتفرج على المسرح. أين موقع الكاتب من المشهد الذي يصفه؟ وأين دوره في الصراع السابق من روايته لأسباب الشرخ؟ من يكتب عن نزاع شارك فيه مدعو إلى عرض صفحته أيضًا، حتى يستطيع القارئ أن يزن شهادته، ويعرف أين تنتهي الوقائع وأين يبدأ موقف الخصم.
أما استقالة بنديكتوس، فقد جاءت بعد إقراره بتراجع قدرته على أداء مسؤولياته. وهذا هو مناط المقارنة الذي يحتاج الكاتب إلى إثباته في الحالة اللبنانية. ما الأعمال التي عجز المفتي عن أدائها؟ وما الوقائع التي تثبت فقدانه الأهلية؟ يطلق المقال حكمًا ينفي عنه كل مسوّغ ديني وأخلاقي وقانوني وإنتاجي، ثم لا يعرض ما يكفي لإثبات هذا النفي الواسع. والبابا، مهما علا مقامه، لا يستطيع أن يقدم باستقالته الدليل الناقص في ملف شخص آخر.
وللمسألة القضائية بدورها أوراق ينبغي قراءتها قبل قرع الأجراس. فالوثيقة المنشورة في الملف الحالي تقرير يقترح الإبطال، وتذكر المادة التي نشرته مهلة لتقديم الملاحظات قبل القرار النهائي. كذلك تذكر الدعوة الرسمية إلى انتخابات الإفتاء سنة 2014 قرارًا إعداديًّا بوقف التنفيذ، رقمه 364/2013-2014، صادرًا في 31 تموز 2014. ولكي يكون اتهام التناقض محكمًا، يلزم تحديد حكم الإبطال السابق الذي يقصده الكاتب، ومقارنة موضوعه وأسبابه بالمنازعة الحالية. والسؤال عن اتساق الموقف من رقابة القضاء مشروع، لكنه لا يستغني عن هذه المقارنة، ولا يحسمه وصف الغضب أو ارتفاع الصوت.
ثم يأتي حديث أبي ذر ليمنح المقال خاتمته الشرعية. والحديث يقرر أمانة الولاية، ويحذر من تحملها مع ضعف الأهلية، ويستثني من أخذها بحقها وأدى واجباتها. وقد نقل الكاتب هذا الاستثناء، لكنه لم يحقق مناط التطبيق: أين ثبت الضعف أو التقصير الذي يبني عليه دعوته؟ إن إنزال النص على شخص بعينه يحتاج إلى إثبات حاله. ووضع الحديث في آخر المقال لا يعالج نقص الوقائع في أوله، مهما منح الخاتمة من مهابة.
حتى حساب السنوات احتاج إلى مراجعة: من العاشر من آب 2014 إلى الخامس من تشرين الأول 2026 نحو اثنتي عشرة سنة وشهرين، لا ثلاث عشرة سنة. الخطأ محدود، لكنه يأتي في نص يريد إصدار أحكام كبيرة على الأهلية والأخلاق، فتزداد معه الحاجة إلى ضبط مقدماته.
إصلاح دار الفتوى يستحق كشف مواضع الخلل، وتحديد المسؤوليات، وتقديم الأدلة. وهذه مهمة تحتاج إلى قدر من المكاشفة يشمل الناقد وتاريخه، كما يشمل المسؤول وأداءه. وإذا أراد صاحب المنقار أن يعلّم المؤسسة التواضع، فليبدأ بتواضع حكمه أمام الدليل؛ فالمنقار قد يصنع ثقبًا، لكنه لا يصنع برهانًا.













