لا تزال العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون و”حزب الله” معلّقة بين محاولات فتح الأبواب وقرار إبقائها موصدة. فالرئيس، الذي يبدو أنه بدأ يتلمّس طريقاً مختلفاً في التعامل مع “الحزب” يواصل تمرير الرسائل السياسية وفتح ثغرات صغيرة يمكن البناء عليها لإعادة التواصل. لكن السؤال الأساسي لا يتعلق بما يريده عون وحده، بل بما إذا كان “الحزب” مستعداً للتجاوب مع هذا المسار، أو أنه لا يزال يعتبر أن الوقت لم يحن بعد للعودة إلى التفاهم مع بعبدا.
حتى اللحظة، لا يبدو أن “حزب الله” متحمّس لإعادة التواصل المباشر مع رئيس الجمهورية، أقله وفق الشروط السياسية القائمة. غير أن هذا الموقف قد لا يكون قابلاً للاستمرار طويلاً، خصوصاً إذا اتجهت المنطقة نحو تسوية واسعة تنهي الحرب وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة. عندها، سيجد “الحزب” نفسه أمام ضرورة إعادة ترتيب علاقاته الداخلية، ولن يكون رئيس الجمهورية طرفاً يمكن تجاوزه في هذه العملية.
“الحزب” يدرك أن المرحلة التي ستلي الحرب لن تشبه ما سبقها، وأن استعادة موقعه في المعادلة اللبنانية لن تكون مرتبطة حصراً بموازين القوى أو بالتفاهمات الإقليمية، بل ستحتاج أيضاً إلى إعادة بناء صورته أمام شرائح واسعة من اللبنانيين. وهذه المهمة قد تكون أصعب من التفاهم على الملفات السياسية نفسها، بعدما تركت الحرب وما رافقها من انقسامات آثاراً عميقة في المجتمع اللبناني.
من هنا، قد يشكّل التقارب مع عون الممر الأسهل أمام “حزب الله”، خصوصاً أن رئيس الجمهورية لا يزال يمتلك قدرة على مخاطبة فئات سياسية وشعبية متعددة، ويمكنه، إذا توافرت الظروف، أن يؤدي دوراً في إعادة وصل ما انقطع بين “الحزب” وبيئات لبنانية باتت تنظر إليه بكثير من التحفظ. لكن ماذا يريد “الحزب” من عون؟
المشكلة أن سقف مطالب “حزب الله” لا يزال مرتفعاً جداً. فالموقف الذي يتخذه يوحي بأنه لا يريد مجرد تعديل في طريقة تعامل العهد معه، بل تراجعاً شبه كامل عن السياسات التي اعتمدتها السلطة خلال المرحلة الماضية، سواء في الملفات الأمنية أو السياسية أو في مقاربة موقع “الحزب” ودوره في الدولة.
في المقابل، لا يبدو أن رئيس الجمهورية مستعد تقديم تنازلات بهذا الحجم، او ان الظروف تسمح بذلك، خصوصاً أن أي تراجع واسع قد يضعه في مواجهة مع قوى داخلية وخارجية راهنت على المسار الذي اتخذه منذ وصوله إلى بعبدا.
والأكثر تعقيداً أن “حزب الله” يشعر بأن هامش الحركة المتاح أمامه يضيق تدريجياً، وأن الضغوط التي يتعرض لها لم تعد محصورة بالمواقف السياسية. وقد أعادت قضية توقيف عنصرين من “الحزب” في منطقة ظهر البيدر، وفق المعلومات المتداولة، طرح السؤال حول طبيعة العلاقة الأمنية والسياسية بين الطرفين، وما إذا كانت هذه الإجراءات ستدفع نحو مزيد من القطيعة.
هنا تحديداً يجد “الحزب” نفسه أمام خيارين متناقضين: إما الذهاب إلى تصعيد سياسي شامل في مواجهة العهد، بما يحمله ذلك من مخاطر داخلية، وإما القبول بتسوية تعيد تنظيم العلاقة مع رئيس الجمهورية، ولو من دون الحصول على كامل الضمانات التي يطالب بها.
الأرجح أن “حزب الله” لن يحسم خياره قبل اتضاح صورة التسوية الإقليمية، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن الانتظار ليس بلا كلفة. فكلما تأخرت التسوية الداخلية، ازدادت صعوبة استعادة المبادرة، وكلما تصاعد الضغط، ارتفعت أثمان المواجهة.












