كتب زياد سامي عيتاني في”اللواء”: لم تعد قضية شحنة المتفجرات التي ضُبطت على حاجز ضهر البيدر مجرد حادثة أمنية تنتظر استكمال التحقيقات القضائية، بل تحوّلت إلى اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية لهيبة الدولة اللبنانية وقدرتها على فرض سلطتها القانونية على كامل أراضيها، بعيداً من التوازنات السياسية ومناطق النفوذ. فإعلان حزب الله، عبر عضو كتلته النيابية حسن فضل الله، ملكيته للشحنة، والمطالبة بإعادتها والإفراج عن الموقوفين المرتبطين بنقلها، أعادا فتح أحد أكثر الملفات تعقيداً في لبنان: العلاقة بين الدولة وتنظيم مسلح يحتفظ بقرار عسكري مستقل، في وقت تعلن فيه السلطات الرسمية تمسكها بحصرية السلاح ومرجعية المؤسسات الشرعية في إدارة الأمن والدفاع.
وبين رواية الحزب التي تربط الشحنة بمواجهة إسرائيل، ومخاوف الدولة من احتمال ارتباطها بعمل أمني غير مشروع، تبقى الحقيقة الكاملة رهناً بتحقيق قضائي مستقل، قادر على تحديد المسؤوليات بعيداً من الضغوط السياسية.
تكشف قضية ضهر البيدر عن جوهر الأزمة اللبنانية: التناقض بين مرجعية الدولة القانونية واحتفاظ حزب الله بقدرات عسكرية وقرار عملياتي مستقل عنها. فالدولة اللبنانية تتمسّك، من حيث المبدأ، بحقها الحصري في إدارة الأمن والدفاع، وتؤكد أن الجيش والمؤسسات الرسمية هما المرجعية الشرعية في حماية البلاد. أما حزب الله، فيتمسّك بسلاحه باعتباره جزءاً من استراتيجية مواجهة إسرائيل، ويرفض إخضاع قراره العسكري بالكامل للسلطة التنفيذية.
تضع القضية رئيسي الجمهورية والحكومة جوزاف عون ونواف سلام أمام مسؤولية سياسية ومؤسساتية مباشرة، تتمثل في ضمان استكمال التحقيق، وحماية استقلال القضاء، وتطبيق القوانين والقرارات الرسمية على الجميع من دون انتقائية. ولا يكفي أن تعلن الحكومة تمسّكها بحصرية السلاح، كما لا يكفي أن تؤكد المؤسسات الأمنية أنها ضبطت الشحنة. المطلوب هو الوصول إلى الحقيقة كاملة، وإعلان النتائج التي يسمح القانون بنشرها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
وفي الوقت نفسه، تقع على الحكومة مسؤولية معالجة ملف حصرية السلاح ضمن خطة واضحة وقابلة للتنفيذ، تحدد الأدوار والمسؤوليات، وتضمن عدم استخدام الإجراءات الأمنية بصورة انتقائية أو توظيفها في الصراع السياسي الداخلي.
كشفت قضية متفجرات ضهر البيدر أن لبنان أمام اختبار يتجاوز هوية مالك الشحنة أو الجهة التي كانت ستتسلّمها.
إن إقرار حزب الله بملكية الشحنة، وفق التصريحات المنقولة عنه، لا يحسم الغرض النهائي منها، كما أن المخاوف من احتمال استخدامها في عملية اغتيال لا تتحوّل إلى حقيقة إلّا إذا دعمتها الأدلة. وبين الأمرين، تبقى مسؤولية الدولة أن تكشف الوقائع كاملة، وأن تحمي التحقيق من الضغوط، وأن تضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته.
أما التحدّي السياسي الأوسع، فيتمثل في إنهاء حالة ازدواجية القرار الأمني والعسكري، وبناء مرجعية وطنية واحدة قادرة على حماية لبنان والتفاوض باسمه وتحديد خياراته الدفاعية. فلبنان لا يستطيع أن يبني دولة مستقرّة بقرارين عسكريين، ولا أن يحمي السلم الأهلي بقضاء تتعرّض قراراته للضغط السياسي.












